انكسار الهيمنة وانتصار أهل الأرض

العدوان الأمريكاني واليهودي على إيران ليس مجرد حرب عابرة، بل هو لحظة انكشاف تاريخي لمنظومة الهيمنة الأمريكانية التي حكمت العالم بالقوة والفرض والإملاء. إنها مواجهة تضع منطق السيطرة الامبراطورية في اختبار حقيقي، وتكشف في المقابل حدود هذه القوة حين تصطدم بإرادة الشعب ورفض الخضوع. ففي هذا العدوان تتكثف الغطرسة الأمريكانية في أعلى تجلياتها، لكن في الوقت نفسه يتكشف حجم التصدع داخل معسكرها، كما تتبلور معادلة جديدة عنوانها أن الشعوب والقوى التي تقاوم لم تعد قابلة للكسر أو الإخضاع.

ومن هنا، فإن ما يجري لا يمكن فصله عن سياق أوسع يعيد رسم خريطة العالمية وموازين القوى، ويمتد من إيران إلى الامة السورية والاقليم عموما، حيث تتقاطع هذه المواجهة مع الوجود القومي للشعب السوري ومصير الأمة بأكملها. وفي هذا الإطار تحديدا، يصبح العدوان الأمريكاني واليهودي وحلفاؤهما على إيران محطة مفصلية، لا حدثا عابرا في سياق الصراعات الدولية.

وقد أظهرت المواقف العديدة الصادرة عن دول الحلف الاطلسي حجم التمرد المتصاعد على العقلية الامبراطورية التي تعاطى بها الرئيس الاميركي مع هذه الدول، عبر قرارات فوقية تمس سيادتها وتنتقص من احترام شعوبها. فجاء الرد واضحا برفض المشاركة في العدوان على إيران، ورفض إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز، في مؤشر على بداية تآكل هذه السطوة الاستعمارية الاميركانية وحلفائها، ورفض الانجرار إلى حرب عالمية ثالثة مدمرة لهذا الكوكب.

أما على مستوى خريطة المنطقة، فإن ما يجري يتصل مباشرة بالحقوق والوجود القومي للشعب السوري. فاستهداف العدو اليهودي لبلادنا في هذا العدوان لا يمكن تفسيره على أنه نزاع على نفوذ أو مصالح اقتصادية أو موارد نفطية وطبيعية، بل هو عدوان وجودي يستهدف القضاء على الدول وأشكال السلطة الحاضرة في بلادنا، وضرب روح الشعب السوري والروحية المقاومة للوهم التوراتي. ولهذا يكثف العدو اليهودي وحشية عدوانه على شعبنا السوري، ساعيا إلى تدمير ومسح أي نوع من القوة العسكرية، وخنق أي صوت مقاوم لمشروعه التوسعي، وتعميق الانقسامات داخل الأمة السورية.

إن هذا المشروع ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لمسار بدأ منذ سايكس-بيكو، يهدف إلى تمزيق بنى وأشكال الدول السورية المصطنعة وتحويلها إلى كيانات دينية وعرقية وطائفية متصارعة، لا يهدأ فيها النزيف الدموي، بما يضمن تفوق العدو اليهودي واستمرار مشروعه التوسعي.

وفي قراءة موضوعية لمسار العدوان على إيران، يتبين أن إيران، ومعها المقاومة في لبنان والعراق، كانت تدرك طبيعة هذا المشروع وأهدافه، ولذلك استعدت له بقدر الإمكانيات المتاحة. وقد جاءت نتائج هذا الاستعداد الروحي والمادي لافتة، حين تمكنت الدولة الإيرانية من امتصاص الضربة القاسية التي تلقتها في الهجوم الأول، لتتحول بسرعة إلى موقع المبادرة والتحكم بمسار المواجهة.

ويعود ذلك إلى تماسك إيران وتمسكها بحريتها وسيادتها وحقها في الحياة، وإلى كونها دولة كبيرة وغنية بمواردها، يتمتع أبناؤها بشعور قومي عميق، وقد نجحت في بناء نفسها وتوظيف قدراتها النفسية والمادية في خدمة الحفاظ على وجودها. وقد تجلى ذلك في قوة ضرباتها الدفاعية المؤثرة على التواجد الاميركاني وحلفائه في المنطقة، وفي قدرتها على تسديد الضربات الموجعة للعدو اليهودي.

لقد كانت الساعات الأولى للعدوان لحظة حاسمة: إما أن تسقط إيران باستشهاد مرشدها وقياداتها، أو أن تصمد وترد الصراع صاعين على العدوان. وقد اختارت الصمود والرد، فتنفس الصعداء كل المقاومين في بلادنا، لأنها تمثل النصير الحقيقي لقضايا الأمة السورية، مما شجع فصائل المقاومة على المبادرة لرد العدوان، وخاصة في لبنان والعراق، لأن العدو واحد، وما يستهدف إيران يستهدف الأمة السورية.

إن ثبات وصمود وانتصار الحليف الاستراتيجي للقضية السورية يؤسسان لانكسار شوكة العدو اليهودي في بلادنا والعالم العربي، ويفتحان الطريق أمام زوال “دولة” الاغتصاب اليهودية.

وأمام هذا التحول الذي أصاب غطرسة اندفاع الولايات المتحدة الأمريكانية والحركة اليهودية في بلادنا، وتفكيك صورة الهيمنة للعدوان الثنائي الاميركاني واليهودي، واهتزاز قدرتهما عمليا وواقعيا، ومع تسجيل إيران الانتصار منذ الأيام الأولى للعدوان، دخل الصراع مرحلة جديدة عنوانها تثبيت هذا الانتصار وترجمته إلى أهداف سياسية ووطنية لإيران وحلفائها في العراق ولبنان واليمن.

وقد دفع ذلك الجبهة المقابلة، بزعامة الولايات المتحدة الأمريكانية واليهودي، إلى استباق الهزيمة ومحاولة الاحتفاظ ببعض مكتسباتها، عبر الإيعاز لأزلامها الذين أتوا بمظلة الحراب الأمريكانية واليهودية في حكومة لبنان، للإسراع في التوقيع على وثيقة الاستسلام المعدة سلفا. وقد بدأت الحكومة باتخاذ الإجراءات اللازمة لذلك، فأصدرت قرارا ذليلا مهينا للإرادة الشعبية، باعتبار المقاومة خارجة على القانون، بما يعني عمليا أن مقاومة العدو تصنف إرهابا.

إنه قرار لا سابقة له في تاريخ شعوب الأرض من حيث الانحطاط، ولا يمكن اعتباره إلا تعبيرا عن انفصال كامل عن إرادة الشعب. فهذه الحكومة لا تمثل الشعب، ولا تعكس أبسط معايير الدولة والسيادة والاستقلال، ولذلك نلتزم قول زعيمنا: ان العبد الذليل لا يمثل الأمة.

إننا كشعب نعتبر هذا القرار باطلا، لأنه يخالف أبسط الشرائع والقوانين التي تجيز حق الشعوب في الدفاع عن نفسها. وفي نهاية المطاف، فإن الشعوب لا تكتب قراراتها بالحبر الاستعماري، بل بالدم، وعلى محاور القتال كافة، حيث تمحو دماء الشهداء القرارات الذليلة، وينبثق فجر جديد في سورية، بفضل جهاد أبطالها المحاربين من طوروس إلى مقلب سيناء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *