عندما يرقص الإعلام على جراح الحقيقة

تُعدّ الحرب مجالاً أساسيًّا للبحث والتحليل الفلسفي عبر التاريخ، من حيث إنها تسمح لنا بالتشكيك في طبيعة الإنسان تجاه مفاهيم متخيّلة تطرح بقوة أمام تاريخه بين الحرب والسلم. والعلاقات بين البشر تسير أحيانًا نحو الهاوية، ولعلّ «السلطة الرابعة» هي أحد اسلحتها المؤثرة، نظرًا للتحوّل الكبير المتمثل في ظهور منصات التواصل الاجتماعي التي قد ترجّح مستقبلاً كفة المنتصر في أي نزاع، نظرًا لما تملكه من قدرة على النفاذ إلى المجتمع والتأثير بصورة مباشرة في عناصره.

وهذه الحقيقة تجعل الدول تفكر في كيفية الاستعداد لحروب المستقبل من الناحية الإعلامية، وكيفية توظيف الإعلام كعنصر ردع فعّال في مواجهة المخاطر.. أو عنصر تشويه للحقائق! ومجابهة مصادر التحديات من خلال نشر الوعي حول أهم التحديات التي تواجه منطقة الحرب.

يقول أحد المنظرين الصينيين في علم الاتصال «الحرب الإعلامية هي فنّ النصر دون حرب».‏ ولكن الحرب الإعلامية ليست سوى المقدمة الضرورية لتحقيق النصر، وإذا لم تتحقّق الغاية من الهدف، على الإعلام أن يمهّد المناخ المناسب لشنّ الحرب العسكرية أملاً في تحقيق النصر.

وهذا ما يجب أن تكون عليه صورة الإعلام في حروب الدول مع عدو خارجي يتربّص به ويسعى إلى إذلاله وتدميره والضغط عليه عبر التزييف والتضليل وشن حملات تلفيقية لأغراض دعائية محض.

الإعلام مرايا للقلق

ولكن ما دور الإعلام اللبناني والعربي/ الخليجي في مواكبة العدوان الأميركي الصهيوني على إيران ولبنان؟

في هذا المشهد المتشابك، يظهر هذا الإعلام كمرايا للقلق، حيث يراقب الجميع الحرب كما لو كانت عرضًا مسرحيًّا، نهايته معروفة بانتصار العم سام وحليفه الصهيوني، ولكن الحقيقة أول ضحاياها.

حصلت وسائل الإعلام اللبنانية والعربية/ الخليجية على وقودها بعد اشتعال الحرب الصهيوأميركية على إيران، وصار لها مواد إعلامية تكفيها لشهور من التحليل والتأويل وكذلك التضليل على المتابعين. فالقنوات التابعة للمعسكر الخليجي الموالي لأميركا و«إسرائيل» وضعت الحرب في خانة الخلاص من دولة «مارقة»، وأن العملية ضرورية لحفظ الأمن القومي الأميركي/ الخليجي ومساهمة لحفظ التوازنات في المنطقة. وهي اجتهدت، كما في كل مرة، بنقل مجريات الحرب أولاً بأول، لكنها افتقدت للحيادية والموضوعية، ولكل منها أجندة تحاول تمريرها عبر تغطيتها المباشرة والمستمرة. هذه التغطية تجعل المتابع يتجرد من حياديته ويميل إلى طرف العدوّ رغمًا عنه ومن دون علمه، ويترسخ ذلك بالتكرار والتأكيد وهو ما نتابعه في «العربية» و«الجزيرة». إضافة إلى قنوات لبنانية مدعومة بالمال الخليجي.

وكما قلنا إن الإعلام المتخلّي عن الموضوعية صوّر لنا الحرب الأميركية- الإيرانية بهذه البشاعة وما تحمله من نوايا خبيثة شيطانية تجاه القيادة الإيرانية، متجاهلاً الأسباب والدوافع الحقيقية من وراء جميع الاحداث، مركّزًا على الحرب ونتائجها المخالفة للمبادئ القانونية والإنسانية، لما تسببه من تدمير للأرواح والممتلكات.

ودخل مع وسائل الإعلام التقليدية شريك جديد تمثّل بمواقع التواصل الاجتماعي التي ساهمت بشكل كبير بإرباك المتابعين، لكنها وفي الوقت نفسه استُخدمت لأغراض التضليل والخداع الجماهيري!

كما ونشط في الحرب الأخيرة موضوع فبركة الفيديوهات ونسبها إلى الأحداث الجارية في الداخل الإيراني، بينما هي في الواقع تعود لسنوات مضت وربما في بلدان أخرى جرت فيها أحداث مشابهة، ورغم ذلك يوجد من يتناقل هذه المقاطع وينشرها وكأنها حقائق لا تقبل النقض أو النقاش لتبيان صحتها من عدمه.

في أحيان كثيرة ينسحب ما ينطبق على الحروب العسكرية على الحرب الإعلامية، ويبقى الهدف الأساس من وقوعها هو التأثير على الدول المستضعفة وجعلها محاصرة من جميع الجهات، فكما قوة السلاح تغيّر مجريات الأحداث على خريطة الوقائع، فإن الإعلام هو أحد أسلحة القوى العظمى المتحكّمة في الأحداث الدولية وبصمتها واضحة.

ومن هنا، لا يمكن الاستخفاف بدور الإعلام وما يحدثه من ضغط، عبر التزييف والتضليل وشن حملات تلفيقيه لأغراض دعائية محض لا تمتّ للصحافة بصلة، بل تنال ممّا تبقّى من مصداقيتها التي تلاشت إلى حدّ ما في السنوات الأخيرة، لا سيّما بعد احتدام حدّة الخلافات بين الأقطاب الدولية.

لا يمكن أن نقلّل من مسؤولية وسائل الإعلام بشقّيها التقليدي والحديث المتمثل بشبكات التواصل الاجتماعي، في وقوفها وراء ما يحصل في الواقع من تجهيل متعمّد لشرائح المجتمع، متغاضية عن كثير من المعايير المهنية؛ واتساقًا مع هذا تحولت منصات إعلامية محترمة مهنيًّا، إلى أبواق دعائية لمواقف سياسية أكثر منها مصدرًا للمعلومة الموضوعية والتغطية المجردة.

ان القوة الحقيقية لا تظهر في القدرة على خوض الحروب، بل في القدرة على منعها وإيقافها قبل أن تتسع دائرتها. فبينما تُصوّر الماكينات الإعلامية أن العمليات العسكرية تسير وفق المخطط، يكشف الواقع الميداني في إيران عن فجوة مرعبة بين «الدعاية الجوفاء» والحقيقة.

إن الإعلام الذي يفتقر للهدف تصبح معركته خاسرة بالضرورة، والثمن الحقيقي هو ضياع مصداقيته مقابل وهم لا يمكن تحقيقه.

إن التحديات الكبيرة التي قد تواجه الإعلام مستقبلاً تستدعي التفكير بجدّية في إنشاء نظام تعبئة إعلامية وطنية منظّم، لا يهدف إلى عسكرة المجتمع، بل إلى حماية الدولة والمجتمع عند الأزمات والحروب والكوارث الكبرى، عبر تشريع قوانين صارمة تمنع تسييس القنوات التلفزيونية أو تحويلها إلى أدوات حزبية أو طائفية، لضمان بقائها مؤسسات وطنية خالصة.

لقد ملأ إعلام الخليج الفضاء ضجيجًا، باستثناء عُمان التي تعرّض أحد موانئها للقصف من دولة خليجية بهدف اتهام طهران ،لم تهرج كما فعلت قنوات الخليج، والبحث عن حقيقة ما يجري في الخليج لا يحتاج إلى عناء وإثباتات، فمجرد سؤال للكويت ماذا تفعل الطائرات المقاتلة الاميركية في أجوائكم التي «أسقطتموها» وهذا خبر لا يقبل الكذب، هذا أولاً، وثانيًا لو أرادت إيران استهداف دولكم تستهدفكم أنتم وأنتم بمرماهم، تستهدف البنى التحتية لدولكم، تستهدف مؤسساتكم المهمة، فالذي يستهدف أرامكو حسب زعمكم لماذا لا يستهدف البقية؟ قالوا إن من فعل ذلك الموساد، وهو، عقلاً، ليس ببعيد، لكن لنقل إنه كذب ونريد الإجابة على ذلك. والكذب من قبل الوسائل الإعلامية في لبنان هو سيد الموقف لديهم وليس فقط الكذب في اخفاء بطولة المقاومة، بل في قول العكس فيما صدر ويصدر.

عندما يتزاوج الجهل مع تقعر الذاكرة المثقوبة وهذه الأخيرة مع النسيان فكل هذا يمهد دائمًا لهزائم وانتكاسات بعد أخرى.

من يصدق في نقل الأخبار؟ ومن يكذب؟ ومن نصّ نصّ؟ كيفية معرفة مصداقية الأخبار عودوا إلى ضمير مالك الإعلام الذي ينقل الأخبار والأفلام، ولا تصدقوا الخبر حتى مع الفيلم/ الفيديو فهنالك أفلام/ فيديوهات قديمة يبثها الإعلام ضد إيران والمقاومة في لبنان.

على مدى قرون من التأمل، تم طرح مفهوم «الحرب العادلة» في كثير من الأحيان. يجب أن نتذكر أن الفيلسوف الأول الذي تحدث عن «الحرب العادلة» كان أرسطو في كتابه السياسة (الكتاب السابع، الفصل 14). بالنسبة له، يجب أن يكون للحرب دائما هدف للسلام، ولا يمكن أبدًا أن يقصد بها إذلال الشعوب الأخرى أو استعبادها.

***

إنها ليست مجرد أخطاء تكتيكية أو سوء تقدير عابر، بل هي تحوّل جذري في طبيعة العقل نفسه: عقل يبدأ براغماتيًّا باردًا يزن كل خطوة بميزان المصلحة الخالصة، ثم يتحول فجأة إلى كائن أعمى لا يستطيع أن يميز بين ما يبنيه وما يهدمه. هذا التحوّل هو الدرس الأكثر إيلامًا في الإعلام، لأنه يكشف أن البراغماتية، حين تُطلق من عقالها دون ضابط أخلاقي أو بُعد نظر وجودي، تصبح أخطر أشكال الجنون المنظم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *