في لحظات التاريخ الحاسمة، لا تُقاس الأوطان بحجمها ولا بمواردها، بل بقدرتها على قول «لا» حين يُطلب منها أن تنحني. ولبنان اليوم يقف في هذه اللحظة بالذات: بين نار العدوان، وضغط التسويات، ومحاولات إعادة تشكيله ككيان منزوع الإرادة.
المعركة لم تعد فقط على الحدود الجنوبية، بل داخل بنية القرار نفسه. هناك من يدفع نحو تفاوض ملتبس مع الكيان الصهيوني، تحت عناوين «التهدئة» و«الواقعية»، بالتوازي مع مشاريع خارجية تُقدَّم كوساطات، فيما هي في جوهرها خرائط لإعادة ضبط لبنان بما يخدم توازنات القوى الغربية.
لكن الأخطر من ذلك، أن هذا المسار لا يُفرض فقط من الخارج… بل يُعاد إنتاجه من الداخل.
حين تصبح الأرض متهمة
في البقاع، في النبي شيت، سقط القناع، محاولة إنزال صهيونية فاشلة لم تكن مجرد حادثة عسكرية، بل لحظة كاشفة لمعنى السيادة في لبنان. قوة أجنبية حاولت التسلل إلى أرض لبنانية، والرد لم يأتِ من بيانات رسمية ولا من اجتماعات طارئة، بل من الأرض نفسها… من الناس.
لكن الصدمة لم تكن في العدوان، بل في الخطاب الذي تلاه، وكان السؤال: من سمح للناس أن يواجهوا؟
هنا تنقلب المعايير تصبح الأرض متهمة، ويُستدعى الدفاع إلى قفص النقاش، وكأن المشكلة ليست في العدوان، بل في مقاومته. هذا ليس مجرد ارتباك سياسي، بل تعبير عن دولة فقدت تعريفها لوظيفتها: دولة تعجز عن الحماية، لكنها تطالب باحتكار الفعل.
وحين يصبح الخطر مباشراً، لا ينتظر الناس إذناً بيروقراطياً ليدافعوا عن حياتهم.
ما جرى لم يكن خروجاً على الدولة، بل نتيجة لغيابها.
وحين تغيب الدولة، تتقدم المجتمعات. هذه ليست فوضى… هذه سيادة حية.
تفكيك الداخل:
في موازاة هذا الانكشاف، يتكشّف وجه آخر أكثر قسوة.
في زمن العدوان، وبينما يرزح لبنان تحت وطأة عدوان غاشم، تُغلق الجوامع في وجه النازحين. قرار يكشف انحداراً أخلاقياً عميقاً: من مجتمع كان يفتح أبوابه للمشرّدين، إلى سلطة تُقفل بيوت الله في وجوههم.
المسجد، الذي كان ملاذاً، يتحول إلى باب مغلق.
والفتوى، التي يُفترض أن تكون صوت الضمير، تصبح امتداداً للقرار السياسي.
وحين تُدمج المؤسسات الدينية في بنية السلطة، وتخضع هذه السلطة بدورها لضغوط خارجية، يصبح القرار الداخلي انعكاساً لإرادات لا تُرى.
وفي المشهد الأكثر فجاجة:
صباحاً، يُشتكى من «تشويه منظر البحر» بخيم النازحين، ومساءً، تتحول هذه الخيم نفسها إلى أهداف للقصف.
بين الانزعاج من الضحية، والصمت على قتلها، تسقط كل الأقنعة.
لكن ما يمنح هذا المسار خطورته الحقيقية، هو الخطاب الذي يبرّره وفي كل تصعيد، يعود الصوت نفسه: المشكلة ليست في العدوان، بل في وجود المقاومة. ويُطرح الحل ذاته: التخلي عن عناصر القوة، وتسليم الأمن لـ«المجتمع الدولي».
هذا ليس تحليلاً… بل قلبٌ للحقيقة.
فالعدوان على لبنان سبق وجود المقاومة والاجتياحات وقعت، والاحتلال تمدد، يوم لم يكن هناك توازن ردع.
ما يعني أن المشكلة لم تكن يوماً فيمن يقاوم، بل في مشروع لا يقبل بوجود قوة موازنة.
ومع ذلك، يُطلب من لبنان أن يتخلى عن قوته… ليحصل على الأمان.
لكن أي أمان هذا الذي يُبنى على نزع القدرة؟
التاريخ واضح:
السلام لا يُمنح للضعفاء، بل يُفرض حين تصبح كلفة العدوان مرتفعة.
أما «المجتمع الدولي» الذي يُطلب الاحتماء به، فهو نفسه الذي وفّر الغطاء السياسي والعسكري للعدوان لعقود. فكيف يصبح الضامن من كان شريكاً في الاحتلال؟
الدولة الغائبة… والسلطة الحاضرة
هنا تتكامل الصورة: سلطة تفاوض تحت الضغط وتشكك في فعل الدفاع وتغلق الأبواب بوجه النازحين وأيضا تصمت أمام الدم،
وفي المقابل، خطاب يُعيد تعريف المشكلة: ليست في العدوان… بل فيمن يواجهه.
هذه ليست فوضى مواقف، بل بنية متكاملة:
عجز في الفعل، وتبرير في الخطاب، وضغط خارجي يعيد رسم الأولويات.
والنتيجة: لبنان يُدفع ليكون كياناً منزوع الإرادة، يُطلب منه أن يثق بمن لم يحمه، وأن يتخلى عما حماه.
وما يتجاهله هذا المسار، أن السيادة ليست مفهوماً يُناقش في القاعات، بل تُختبر على الأرض.
في لبنان اليوم ليست المشكلة في مشاريع سياسية فقط، بل في رؤيتين متناقضتين:
الأولى تريد بلداً منزوع القوة، مضبوط الإيقاع، تابع القرار والثانية رؤية ترى أن الكرامة الوطنية لا تتُجزّأ، وأن السيادة لا تُستعار وهذا البلد، حين يُحاصر، لا يستسلم… بل يتمرد.

