مجزرة حلبا… الجرح الذي لم يهدأ

في العاشر من أيار، لا تحضرُ مجزرةُ حلبا كذكرى أليمة من الماضي، بل كجرحٍ مفتوحٍ في الوجدان القومي، وكواحدةٍ من أكثر الصفحات قسوةً في تاريخ الصراع مع ثقافة الحقد والطائفية والإرهاب. ففي هذا اليوم، ارتقى أحد عشر قوميًا اجتماعيًا في مجزرةٍ وحشيةٍ لم يكتفِ مرتكبوها بالقتل، بل مارسوا أبشع أشكال التنكيل والتمثيل بالجثث، في مشهدٍ صدم الضمير الإنساني وكشف إلى أيّ حدّ يمكن أن ينحدر الإنسان عندما يفقد وعيه الإنساني والقومي، ويستسلم للغرائز السوداء والتعصّب الأعمى.

ثمانية عشر عامًا مرّت على المجزرة، لكن الزمن لم ينجح في إخماد نارها في النفوس، لأن الدم الذي سُفك في حلبا لم يكن دمَ أفرادٍ عاديين سقطوا في حادثةٍ عابرة، بل دمَ رجالٍ آمنوا بحقيقةٍ أكبر من ذواتهم، وتمسّكوا بقضيةٍ رأوا فيها خلاص المجتمع من الانقسامات والعصبيات وثقافة الموت. ولذلك، بقيت حلبا أكثر من مجزرة؛ بقيت رمزًا للصراع بين ثقافتين: ثقافة الحياة والوعي والوحدة، وثقافة الحقد والتكفير والتفتيت.

لقد أُريد لتلك الجريمة البشعة، المشابهة لجرائم العدو الني نشاهدها في لبنان وفلسطين، أن تكون فعلَ ترهيبٍ وكسرٍ للإرادة، وأن تتحوّل إلى شرارة فتنةٍ مذهبية تُغرق المجتمع في الانقسام والكراهية. لكن دماء الشهداء كانت أسمى من مشروع الفتنة، وأقوى من الإرهاب، لأن الذين سقطوا في حلبا لم يكونوا دعاةَ عصبيةٍ أو انقسام، بل كانوا مؤمنين بوحدة المجتمع وبحق الناس في حياةٍ حرّةٍ كريمة، خاليةٍ من الخوف والكراهية والتبعية.

ومع مرور السنوات، اتّضح أكثر فأكثر أن مجزرة حلبا لم تكن معزولةً عن سياقها، بل كانت من البدايات المبكرة لذلك الإرهاب التكفيري- الصهيوني الذي تمدّد لاحقًا في المنطقة، ضاربًا المجتمع والجيوش وقوى المقاومة، وساعيًا إلى تمزيق الأمة وتحويلها إلى جماعاتٍ متقاتلة ومذاهب متناحرة. ومن هنا، فإن شهداء حلبا كانوا من أوائل الذين وقفوا في وجه هذا المشروع الأمريكاني – الصهيوني – الظلامي، ودفعوا من دمائهم ثمن موقفهم وإيمانهم.

لكن، إلى جانب الجريمة نفسها، يبقى الصمت عن العدالة جرحًا آخر لا يقلّ قسوة. فبعد كل هذه السنوات، ما زال ملف المجزرة يراوح مكانه، فيما تكبر معاناة عائلات الشهداء وأبنائهم الذين كبروا على ألم الفقد وغياب الحقيقة. إن العدالة ليست مطلبًا سياسيًا أو رغبةً في الانتقام، بل حقٌّ أخلاقي وإنساني، لأن المجتمعات التي تتساهل مع الجرائم الكبرى تترك أبوابها مفتوحة أمام تكرار المآسي.

ومع ذلك، فإن ذكرى حلبا لا تُختصر بالحزن وحده. فالشهداء الذين ارتقوا هناك لم يكونوا عشّاقَ موت، بل عشّاقَ حياةٍ حرّةٍ كريمة. لقد وقفوا في لحظة الغدر الكبرى متمسّكين بكرامتهم وقضيتهم حتى الرمق الأخير. وكانوا مؤمنين بأن الإنسان يسمو بمناقبه وبإيمانه وبتمسّكه بالحقيقة، وأن النهضات الكبرى لا تُبنى بالكلام وحده، بل بالتضحية والثبات والإيمان العميق بقضية المجتمع.

لهذا، فإن الوفاء الحقيقي لشهداء حلبا لا يكون بالبكاء على غيابهم فقط، بل بالتمسّك بالقيم التي استشهدوا من أجلها: بقيم الوعي القومي، ووحدة المجتمع، والمحبة القومية، ورفض الطائفية والتعصّب وثقافة الكراهية. فالذين أرادوا قتل النفوس بالإرهاب لم يدركوا أن النفوس التي تعرّفت إلى حقيقتها القومية لا يمكن أن تُهزم بالخوف. قد ينال القتلة من الأجساد، لكنهم لا يستطيعون قتل الحقيقة التي تحيا في النفوس المؤمنة. وهذا ما عبّر عنه سعاده حين قال إنهم: “لو قضوا على المئات منا لما تمكنوا من القضاء على الحقيقة التي تخلد بها نفوسنا.”

لهذا، تبقى ذكرى حلبا أكثر من مناسبة حزنٍ وعزاء. إنها مناسبة للتأمل العميق في معنى الشهادة والالتزام، وفي واقع مجتمعنا والأخطار التي ما زالت تهدده من جهل وطائفيةٍ وفساد وعصبيات مذهبية وعنصرية. وهي أيضًا دعوةٌ متجددة للتمسّك بثقافة الحياة، بثقافة المحبة القومية، بوحدة المجتمع، وبالوجدان القومي الذي يجمع الناس حول مصلحة مجتمعهم ومستقبلهم المشترك. فلتكن هذه الذكرى دعوةً دائمة إلى المزيد من الوعي، والمزيد من الثبات، والمزيد من الإيمان بأن هذه الأمة، مهما أثخنتها الجراح، ما زالت قادرةً على النهوض، لأنها ما زالت تنجب رجالًا يواجهون الظلم والعدوان بكرامة، ويتمسّكون بالحقيقة في أحلك الظروف، ويكتبون بدمائهم معنى البطولة والفداء.

وفي هذه الذكرى، ننحني إجلالًا أمام أرواح الشهداء الأحد عشر، ونجدّد العهد بأن تبقى القضية التي آمنوا بها حيّةً فينا، وأن يبقى وجداننا القومي أقوى من الفتن، وأقوى من الخوف، وأقوى من كل محاولات القتل والتفتيت. ولتبقَ دماؤهم منارةً تذكّرنا دائمًا بأن أمتنا، رغم الجراح والمحن، ما زالت قادرةً على النهوض، وما زالت تنجب رجالًا يواجهون الظلم بإيمان، ويكتبون بدمائهم معنى العزّ والبطولة والفداء.Top of Form

Bottom of Form

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *