في لبنان، يبدو أنّ لكلِّ فريقٍ عفوَه الخاص، ولكلِّ مرحلةٍ ميزانَها الخاص في تعريفِ الجريمة والخيانة والبطولة.
مرّةً يُطرح العفوُ عن متورّطين بالتطرّف الإسلامي الجهادي، ممّن ساهموا في تمزيقِ النسيج الوطني، واستباحةِ دماءِ اللبنانيين والجنود، وفتحوا أبوابَ الفتنة والاقتتال الداخلي باسم مشاريعَ عابرةٍ للأوطان.
ومرّةً أخرى، يُفتح الباب أمام العفو عن العملاء والمتعاملين مع العدوّ الصهيوني، أولئك الذين تلطّخت أيديهم بخيانة الوطن، وشاركوا في دعم الاحتلال والاعتداء على الأرض والشعب والسيادة.
وفي خضمِّ هذا المشهد، يُراد للبنانيين أن ينسوا، وأن تُمحى من الذاكرة الوطنية حقيقةُ الصراع بين مَن خان الوطن ومَن دافع عنه، بين مَن استدعى الاحتلال ومَن واجهه، وبين مَن باع الأرض ومَن افتداها بدمه وإيمانه وقضيّته.
إنّ أخطرَ ما في مشاريع العفو العشوائي أنّها تُسقط الفارق الأخلاقي والوطني بين الخائن والمقاوم، وبين العميل والمناضل، وتحوّل التضحيات الكبرى إلى تفصيلٍ هامشيّ في بازار التسويات السياسية وتقاطع المصالح.
فالأوطان لا تُبنى على محو الذاكرة، ولا على مساواة الجلّاد بالضحية، ولا على تبرئةِ مَن تآمر على شعبه، وسهّل احتلال أرضه، وشرّع أبواب الوطن أمام العدوّ.
وإذا كان ثمّة مَن يستحقّ أن يُحفَر اسمُه في ذاكرة البطولة الوطنية، فهم أولئك الذين حملوا قضيّة الدفاع عن الوطن حتى النهاية، وواجهوا مشاريع الاحتلال والخيانة بإرادةٍ لا تعرف التراجع، وفي مقدّمتهم البطل القومي والوطني حبيب الشرتوني، الذي سيبقى، في وجدان شريحةٍ واسعةٍ من أبناء الأمّة، رمزًا لمواجهة المشروع الصهيوني ورفضِ الخضوع والاستسلام.
فالعدالة الحقيقية لا تكون بتبييض صفحات الخيانة، بل بحفظِ حقِّ الوطن في ذاكرته، وحقِّ الشعوب في التمييز بين مَن قاتل دفاعًا عن الأرض والسيادة، ومَن عمل على تسليمها للأعداء.
أحمد الأيوبي

