في خضمّ العدوان المفتوح على لبنان والعدوان الذي لا يلجمه وقف للنار، ولا اعلان لمباشرة تفاوض مباشر حتى، وفي تناقض فاضح ومعيب من السلطة اللبنانية بتنازلها حتى عن النظم الطبيعية للحروب وللسياسة التفاوضية وللسلم عبر التاريخ. فان دولة الكيان الغاصب ما زالت مستمرة في حرب ابادتها المعلنة للبشر والعمران. لكن الامر الملفت الذي استطاعت المقاومة ان تغير فيه المعادلة الى الان فهو بروز المسيرات الانتحارية من نوع FPV كأحد أهم التحولات العسكرية التي فرضتها المقاومة على ساحة المواجهة. فهذه المسيّرات الصغيرة، منخفضة الكلفة وعالية الدقة، لم تعد مجرد وسيلة إسناد ميداني، بل تحوّلت إلى سلاح استنزاف فعلي أربك جيش العدو الإسرائيلي وأوقع في صفوفه خسائر بشرية ومادية متكررة.
لقد أثبتت المقاومة أن التفوق العسكري لا يُقاس فقط بحجم الطائرات والدبابات، بل بقدرة الطرف الأضعف على الابتكار وكسر قواعد الحرب التقليدية. فمن خلال مسيّرات FPV، باتت المواقع والتحركات العسكرية لمواقع العدو الإسرائيلي مكشوفة أمام ضربات دقيقة ومباغتة، فيما فشلت حتى الآن منظومات العدو في إيجاد حل حاسم لهذا التطور الذي جعلت منه المقاومة معادلة توازن قوة جديد.
والأخطر بالنسبة للعدو أن هذه المسيّرات خلقت حالة ردع جديدة. فالجندي في جيش العدو الإسرائيلي الذي كان يعتمد على التفوق التكنولوجي المطلق، أصبح اليوم يتحرك تحت تهديد دائم، بينما تحولت الدبابات والتحصينات إلى أهداف قابلة للإصابة بكلفة بسيطة مقارنة بملايين الدولارات التي تُنفق على الحماية والدفاع. وهكذا، دخل العدو الإسرائيلي في معضلة استنزاف طويلة تبدو عاجزة عن إنهائها سريعًا.
لكن المفارقة السياسية تكمن في أن هذا التطور العسكري، الذي وضع لبنان والمقاومة في موقع قوة ميدانية، يتزامن مع ذهاب السلطة اللبنانية نحو خيارات التفاوض المباشر أو غير المباشر تحت عناوين التهدئة وضبط الحدود. وهذا الأمر يطرح تساؤلات عميقة داخل الساحة اللبنانية: لماذا يُطرح التفاوض في لحظة يشعر فيها الإسرائيلي بأنه مأزوم أكثر من أي وقت مضى؟
بالنسبة لشريحة واسعة من اللبنانيين المؤيدين للمقاومة، فإن ما يجري يعكس محاولة للاستفادة السياسية من إنجازات الميدان، وربما أيضًا لاحتواء تنامي قوة المقاومة العسكرية وتأثيرها الإقليمي. فكلما فرضت المقاومة معادلات ردع جديدة، ازدادت الضغوط الدولية والداخلية لدفع لبنان نحو تسويات سياسية قد تُقيّد هذه القوة أو تعيد رسم قواعد الاشتباك بما يخدم أمن إسرائيل أولًا.
أما على المستوى الداخلي، فقد عمّق هذا الواقع الانقسام السياسي القائم. فهناك من يرى أن المقاومة تحمي لبنان وتفرض توازنًا تاريخيًا مع كيان العدو، فيما يعتبر آخرون أن استمرار التصعيد يهدد الاستقرار الاقتصادي والسياسي للبلاد. إلا أن ما لا يمكن تجاهله هو أن المقاومة استطاعت، رغم الحصار والضغوط، أن تنقل المواجهة إلى مرحلة جديدة لم تعد فيها “إسرائيل “قادرة على فرض شروطها بسهولة كما في السابق.
اليوم، تبدو حرب المسيّرات أكثر من مجرد تفصيل عسكري؛ إنها عنوان مرحلة كاملة تتغير فيها معادلات القوة في المنطقة، ويصبح فيها الابتكار والإرادة عنصرين قادرين على كسر التفوق التقليدي وصناعة ردع حقيقي تفتش فيها دولة العدو الإسرائيلي عن مخرج منه وليس بوقت قصير من الآن.
“نحن امة كم من تنين قد قتلت في الماضي ولن يعصى عليها قتل هذا التنين اليوم” بإرادة البطولة المؤمنة بالحياة


