الحمد لله الذي جعل الموت حقًّا علينا، لا مناص منه ولا مهرب، وإلا لما استطعنا تحمل فقدان أحبابنا الذين يخطفهم من بيننا ويحرمنا أنسهم ودفئهم ومحبتهم. وها هو اليوم لم يهادن حين اختار الأمين ليعرج بروحه الطاهرة من الفناء إلى البقاء.
لكننا وعلى تسليمنا بقضاء الله وقدره، لا نملك أن نمنع أنفسنا من الحزن والأسى، وعبراتٍ تطفئ حَرّ القلوب، على فقدان حبيب ربطتنا به سنوات طويلة من حسن الصحبة وصفاء العشرة.
رحل الأمين الطيب واستقرت بسمته حاضرة في كل من عرفه وكان له حظ مخالطته. وإن كان من شهادة فيه، فليس أقل من العرفان له بأخلاقه العالية وأدبه الرفيع، ووطنيّته المفعمة بالصدق، والتزامه الثابت بقضايا الأمة ودفاعه عنها بعنفوان وشموخ وإباء؛ وهو الذي تربّى في مدرسة شعارها: إنّ الحياة كلها وقفة عز فقط.
أيها الأمين، لست أوَدّعُك، فمسيرتك ستبقى مثلًا يُحتذى، وجسرًا يعبره الساعون إلى النهضة والحرية، وإرثًا يؤسّس لأجيال لم تولد بعد.
أيها الأمين، لست أوَدّعُكَ لأنّ أمثالكَ لا يغيبون، بل يشرقون في آفاقنا شمسًا، ويتحولون في قلوبنا ضوءًا وفي ضمائرنا سراجًا، وفي وجداننا وهجًا لا يخفت، لأن روحك الساطعة فينا سلامًا وكرامةً ونضالًا لا تغيب ولن تغيب.
نَمْ قرير العين يا سيد الكلمة الحرة..
لقد تعلمنا منك أن الكلمة موقفٌ لا يباع ويشترى، ولا يقبل المساومة في أسواق الحياد والتفاوض والوسطية، ولا يرضى المهادنة المهينة تحت أي ذريعة.
أيها الأمين، نَمْ آمنًا مطمئنًّا فقد أوفيت القضية حقّها باجتهاد وثبات وإرادة صلبة، وأدّيت الرسالة ما استطعت إليه سبيلًا في عزيمة لم تفتر يومًا ولم تتوان عن أداء واجبها فوق ما تتيح الظروف وتسمح. فكنت المناضل الشهم والشريف، والشجاع الجسور والمقدام، والمقاوم بلا هوادةٍ ولا حدود.
سلامٌ لك أيها الأمين وتحية عزّ لروحك المتوقدة عزمًا وصلابةً في نفوس رفقائك وأحبّائك.
كلّهم على العهد يا رفيق العزّ، يا سيد الحضورَيْن قبل الغياب وبعده، يرفعون لك التحية بأمانة، يجدّدون القسَمَ ويهتفون بقلب واحد وصوت واحد: البقاء للأمة والخلود لسعاده.. تحيا سورية ويحيا سعاده.
ستبقى لنا وعدًا بالمحبة ومثلًا للكرامة وذاكرةً، يشيخ الزمان، ولا تمّحي، لأن الحق لا يموت، والحقيقة لا تحول ولا تزول.
رحمك الله رحمةً واسعةً أيها الحبيب، وأحسن إليك وأكرم وفادتك، وأسكنك جناته العُلا، وألهم ذويك ورفقاءك وأحبّاءَك الصبر والسلوان، وربط على قلوبهم بالسكينة والرضا.
حسبنا الله ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، له ما أخذ وله ما أعطى، ولا بد من دمعة عين في يقين: إنا لله وإنا إليه راجعون.
باسم احمد قبيطر

