سنتناول ما سنقدّمه بتواضع الشعب الفنزويلي، ولكن بإدراك عميق لدورنا التاريخي في هذه اللحظة الحاسمة، حيث نشهد تحوّلات جذرية في الجغرافيا السياسية العالمية ستعيد تشكيل نموذج العلاقات بين الدول، مما يُفضي إلى نظام عالمي جديد. نظام جديد سيستمر فيه النظام الرأسمالي بالهيمنة على الساحة العالمية، ولكن في عالم تتعدّد فيه مراكز القوى. وسنرى الدور الذي يرغب رأس المال العابر للحدود في منحه للدول في هذا المشهد الجديد.
حدثان شكّلا نقطة تحوّل في التاريخ السياسي المعاصر في رأينا، بين النظام القديم الذي أُرسِي بعد الحرب العالمية الثانية، والنظام الجديد الذي لا يزال قيد التشكيل:
1 ـ الإبادة الجماعية في غزة:
استمرت سياسة الإبادة التي انتهجتها إسرائيل في غزة تحت أنظار الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية، التي اقتصر دورها على إصدار بيانات وتصريحات جوفاء، بينما لم يكن أمام العالم بأسره خيار سوى مشاهدة أبشع الجرائم المرتكبة ضد الشعب الفلسطيني البريء، ومذابح الأطفال والنساء، وسط ابتهاجٍ مَرَضيّ من قادة دولة إسرائيل.
لم يستطع «النظام القائم على القواعد» إيقاف هذه الفظائع، فبدأت شعوب العالم الشجاعة برفع أصواتها في أرجاء المعمورة، رغم قمع الحكومات الفاشية لها. كشف هذا الحدث عن تقادم النظام الحالي الذي يهيمن عليه الغرب، وأثار نقاشًا عالميًا واسعًا حول ضرورة إيجاد آلية جديدة للعلاقات بين الدول، آلية تسمح بنظام عدالة أكثر توازنًا.
2 ـ اعتداء الولايات المتحدة على فنزويلا وخطف الرئيس نيكولاس مادورو موروس وزوجته سيليا فلوريس:
هذه الجريمة التي ارتكبتها الولايات المتحدة ضد شعب فنزويلا كانت، دون أدنى شك، المحفّز في عملية ميلاد النظام العالمي الجديد. لماذا نكون حازمين جدًا في هذا التأكيد؟ بينما كانت عدة حكومات جبانة في أمريكا وأوروبا تتبع الرواية الأمريكية ضد فنزويلا خوفًا من الانتقام، كان الجميع يدرك أن تلك القصص عن دولة مخدرات، وكارتيل Cartel de los Soles، وعصابات إجرامية، وغيرها من الخيالات التي لا تتّسع لها إلا عقول مجموعة من العنصريين المتغطرسين المرضى بالمال والسلطة، كانت زائفة تمامًا.
من، في صحوة عقله، يمكن أن يصدّق أن رئيس دولة تمتلك أكبر احتياطيات النفط في العالم سيلجأ إلى تجارة المخدرات لتحقيق موارد؟ إنه أمر سخيف تمامًا مجرد التفكير فيه. حتى أشدّ الخصوم للمشروع البوليفاري استنكروا خطف الرئيس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، داعين إلى احترام السيادة ورفض استخدام القوة كآلية لحل الخلافات بين الأمم. يكفي النظر إلى تصريحات القادة الأوروبيين واللاتينيين.
دافوس، مسرح سقوط النظام القائم على القواعد
ربما يبدو مبالغًا فيه التأكيد أن الهجوم على فنزويلا يقسم التاريخ إلى ما قبل وما بعد على الساحة الدولية. لكن دعونا ننظر إلى ما حدث في منتدى دافوس، بعد أسبوعين فقط من الاعتداء الغادر على وطننا.
للقيام بذلك، من الضروري الاستشهاد ببعض النقاط من الخطاب «المقزّز» لرئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، الذي وإن كان مليئًا بعدم الدقة التاريخية ويتجاهل أبسط قواعد الرياضيات، إلا أنه يظل عنصرًا أساسيًا لفهم الأسباب التي دفعت بقوة نووية مثل الولايات المتحدة إلى قصف شعب نبيل ومكافح بشكل غير متناسب.
بدأ خطابه، كما هي العادة لدى هذا النرجسي الكاذب، بإطراءات على ذاته، ثم تحدث لأكثر من دقيقتين عن الاعتداء الإجرامي ضد شعب فنزويلا، وكيف أن الولايات المتحدة قتلت أناسًا أبرياء لفرض قانونها بالقوة.
وقال عن فنزويلا:
• «تحت قيادتي، زاد إنتاج النفط الأمريكي بمقدار 730,000 برميل يوميًا، والأسبوع الماضي حصلنا على 50,000,000 برميل فقط من فنزويلا».
• «قبل 20 عامًا كانت دولة عظيمة، والآن لديها مشاكل… بخمسين مليون برميل
• سنتقاسم الأرباح، وستزدهر فنزويلا بشكل رائع».
• »ستكسب فنزويلا مالًا أكثر في الأشهر الستة المقبلة مما كسبته في العشرين سنة الماضية.»
• «سعر البنزين 2.30 دولار للغالون، وقد انخفض إلى 1.95 دولار في بعض الولايات.»
بهذه الطريقة، أوضح ترامب في أول 3 دقائق من خطابه أن إرادة الأقوى ستُفرض، وأنه لا مكان بعد اليوم للنظام القائم على القواعد«.
ثم قال:
»نحن قوة عظمى. أكبر بكثير مما يفهم الناس. أعتقد أنهم اكتشفوا ذلك قبل أسبوعين في فنزويلا.«
• »رأوا أسلحة لم يسمع بها أحد من قبل… أنظمة الدفاع تلك صنعتها روسيا والصين.«
• «لدينا ميزانية عسكرية تبلغ 1.5 تريليون دولار.»
• «نبني قبة ذهبية أقوى 100 مرة من بوارج الحرب العالمية الثانية».
الخلاصة
بعد وصولنا إلى هنا، لسنا نبالغ بالقول إن الاعتداء على وطن بوليفار قسّم التاريخ الحديث إلى نصفين. سيدخل 3 كانون الأول التاريخ كاليوم الذي:
• انتهى فيه «النظام القائم على القواعد» المنافق، الذي استخدمه الغرب لغزو ونهب دول مزدهرة سابقًا (العراق، ليبيا، سوريا)، أو لإشعال صراعات داخلية كما في يوغوسلافيا السابقة، أو في الميدان الأوروبي الذي قاد إلى إغراق أوكرانيا في حرب مدمّرة.
• وُلد فيه النظام العالمي المتعدّد الأقطاب، حيث ستستمر الرأسمالية، لكن ضمن توازنات جديدة في العلاقات الدولية.
خوسيه غريغوريوس بيوم ورجيسفير فنزويلا في لبنان


