تعيش الولايات المتحدة الأميركية اليوم ومعها الدول الأوروبية تداعيات فضيحة جيفري أبستين التي تغزو وسائل الإعلام والأخبار في أنحاء العالم، والتي عملت وزارة العدل الأميركية على نشرها نهاية كانون الثاني الماضي. وتُعدّ ملفات إبستين بمثابة زلزال سياسي في واشنطن، وارتداداته عابرة للعالم الغربي. نذكر أن أبستين كان خبيراً مالياً سابقاً أدين بإقامة شبكة واسعة للإتجار الجنسي بقاصرات، وعثر عليه مشنوقاً في زنزانته عام 2019 فيما كان ينتظر محاكمته.
مع آخر عملية نشر، يتجاوز الحجم الإجمالي للبيانات وعدد الملفات الضخمة التي تم الكشف عنها أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون ملف من الوثائق ورسائل بريد إلكتروني، ونحو ألفي مقطع فيديو، وما يقارب مائتي ألف صورة مرتبطة بالتحقيق في جرائم الاتجار الجنسي التي نسبت إلى أبستين، رافعة السرية عن ملايين الوثائق في هذه الفضيحة. يُذكر أن فريقاً يضم أكثر من 500 محامٍ ومُراجع، عمل على عملية النشر، وفق ما ذكرت وزارة العدل الأميركية.
وكان من المفترض أن تنشر وزارة العدل جميع ملفات إبستين بحلول 19 كانون الأول الماضي، لكنها تخلفت عن الموعد النهائي. وكان ترامب عارض الإفراج عن الملفات، رغم تعهده بالقيام بذلك عند توليه منصبه. إلا أن الكونغرس، وفي نهاية المطاف، خالف رغبة ترامب ومرر قانوناً يجبر وزارة العدل على الإفراج عن جميع ملفات إبستين بحلول منتصف ديسمبر.
وتتضمن الوثائق، من بين أمور أخرى، تفاصيل عن علاقات إبستين بكل من ملياردير التكنولوجيا إيلون ماسك، وبيل غايتس والأمير البريطاني السابق أندرو وشخصيات عديدة أخرى. وهناك حديث عن ألفي وثيقة أخرى قد يتم نشرها في المستقبل. ويعدّ نشر ملايين الوثائق الجديدة لملف أبستين اليوم أحد أخطر الملفات الجنائية.
ولطالما اشتهرت الولايات المتحدة الأميركية بتعرضها لانكشاف فضائح في فترات متباعدة من المستوى الثقيل، ومنها فضيحة ووترغيت عام 1972 في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون التي كلفته الاستقالة من منصبه في التاسع من آب عام 1974، وفضيحة إيران كونترا أو إيران غيت في ثمانينات القرن الماضي أيام الرئيس رونالد ريغان، والتي كانت السبب الرئيسي في سقوطه عام 1985.
مثل أحجار الدومينو تتدحرج الأسماء، وتتوسع فضيحة أبستين، وتكبر تداعياتها على النخب الأمريكية والاوروبية (حتى اللحظة لم يتم طرح أسماء من العالم العربي)، بعد نشر ملفاتها. اليوم بات أبستين حديث الساعة، ومحتلاً المساحات الواسعة التي تفردها وسائل الإعلام لتطوراتها.
أسئلة كثيرة يتم طرحها اليوم حول هذه الفضيحة وأبرزها لماذا اليوم وبهذا التوقيت كشفت وزارة العدل الأميركية عن هذه الملفات، خصوصاً أن الأسماء المتداولة في هذه الفضيحة تمثل النخب في المجتمعات الأميركية والأوروبية والعربية وهل أن التوقيت هو لإلهاء الرأي العام الأميركي عن مسائل أخرى مثل التعاطي مع المهاجرين وسواها ومسألة النظام السياسي المتعرّض للحريات الاجتماعية والسياسية.
الأسماء التي تطالها الفضيحة مشهورة وتضم شخصيات كبيرة في شتى أنحاء العالم وفي شتى الميادين السياسية والفنية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والصناعية من كافة الدول الأوروبية من النروج إلى بريطانيا وسلوفاكيا وفرنسا وألمانيا وغيرها إلى جانب أسماء من العالم العربي، من رؤساء حكومات وأمراء وسياسيين مثل السفير السابق في واشنطن السياسي البريطاني بيتر ماند لسون الذي قدم استقالته من عضوية حزب العمال لتجنب التسبب في “مزيد من الإحراج” للحزب عقب ظهور معلومات جديدة حول صداقته مع إبستين. كذلك تطال الفضيحة الأمير أندرو شقيق ملك بريطانيا تشارلز الثالث الذي جرّد أندرو من ألقابه الملكية والعسكرية وأوسمته بعد الكشف عن تفاصيل حول ضلوعه في شبكة أبستين. كذلك قدم كايسي واسرمان رئيس اللجنة المنظمة لدورة الألعاب الأولمبية عام 2028 في لوس أنجلوس اعتذاراً بعدما ورد اسمه في آخر مجموعة من وثائق أبستين. وبدوره استقال مستشار وزير الخارجية السابق في سلوفاكيا ميروسلاف لايتشاك بعدما تبين أنه كان على تواصل مع أبستين الذي وعده بتدبير نساء له حين كان وزيراً للخارجية. وفي النرويج وردت أسماء شخصيات معروفة من بينها ملكة النرويج المقبلة الأميرة ميتي ماريت زوجة ولي العهد النرويجي هاكون ما لا يقل عن ألف مرة في ملفات أبستين بحسب إحدى الصحف النرويجية.
أما في فرنسا فقد أثارت وثائق أبستين جدلاً واسعاً بعد ظهور إسم وزير الثقافة السابق جاك لانغ وابنته كارولين فيها. وأوضح لانغ المدير الحالي لمعهد العالم العربي أنه لم يكن على علم بالنشاطات الإجرامية لإبستين، مؤكداً شعوره بالصدمة واستعداده لمقاضاة من يروج لإشاعات ضده. من جانبها، استقالت ابنته كارولين من منصبها في نقابة الإنتاج المستقل لتجنب أي تأثير على عمل النقابة، مؤكدة أن علاقتها بإبستين كانت معرفة عادية.
وبشأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أعادت ملفات إبستين المفرج عنها إثارة شائعات راجت قبل سنوات حول سيرته وسلوكياته وعلاقته بسكريتيرته مادلين ويسترهوت. وكشفت شبكة “سي إن إن” أن اسم ترامب ورد أكثر من ألف مرة في وثائق إبستين بعد مقاومة الرئيس بدايةً هذا المسعى. وكان ترامب قد نفى أخيراً أنه تواجد في جزيرة أبستين في وقت سابق.
صحيفة “نيويورك تايمز” ذكرت أن إدارة ترامب كانت قد لوّحت العام الماضي بالإفراج عن ملفات التحقيق لكنها تراجعت عن ذلك، ليقود الديمقراطيون وعدد قليل من الجمهوريين بعد ذلك جهوداً لإقرار قانون يلزم بجعل الملفات علنية. الأكيد أن الكثير من المواد المنشورة تقدم توضيحات حول علاقات أبستين بمروحة واسعة من الشخصيات الديمقراطية والمشاهير ورجال الأعمال.
ولا يزال المسؤولون يواصلون نشر وثائق مرتبطة بالتحقيق في قضية أبستين، من دون أن يتم حتى الآن توجيه اتهامات جنائية جديدة على صلة بهذه القضية منذ بدء نشر الملفات.

