تزدحم المواقف السياسية حول الوضع في جنوبي لبنان لاسيما في زحمة زيارات اركان الدولة الى العواصم والمؤتمرات، وإذا كانت زيارة قائد الجيش الى واشنطن بعد كل الأخذ والرد الذي رافقها، هي محط الاهتمام الان فأن كلام رئيس الحكومة نواف سلام، المطعم باللهجة المصرية، له وقعه الكبير، اذ أعلن استعادة الدولة لقرار الحرب والسلم، ولسيادة الدولة على الجنوب خاصة جنوبي الليطاني، مؤكداً ان العمل جاري على تثبيت خطوة حصر السلاح، شمالي الليطاني ايضاً.
الكلام العالي السقف والذي فات سلام ان يتذكره ربما، انها سيادة بالمشاركة مع «الإسرائيلي» الذي لا يزال يحتل التلال الخمس وقد تمدد الى السبع. واسوأ توقيت لكلامه انه ترافق بالمصادفة طبعا، مع قيام طيران العدو الإسرائيلي برمي مواد كيمائية على مساحات واسعة من الغطاء الأخضر في الجنوب تسمم وتسرطن كامل البيئة وكذلك الانسان.
نغمة السيادة، يردح بها ساسة لبنان منذ انطلاق هذا العهد وحكومته، فيما تصّم اذانهم عن المسيرات المنتهكة لسماء بيروت والضاحية وصولاً الى عمق الحدود الشرقية في البقاع. ويغمضون عيونهم عن مشاهد التدمير للبيوت واحياء القرى الجنوبية.
يصيبهم قول الشاعر «اعلل النفس بالآمال ارقبها ما اضيق العيش لولا فسحة الأمل».
دولة تريد السيادة، ولكن الوقائع تؤكد انها لا تفعل، بل تقول فقط ويدرك الجنوبيون انهم أخر اهتمامات دولتنا في العمل على الضغط على دولة العدو وعلى داعميها لتنفيذ القرار 1701 الذي تضرب بتنفيذه عرض الحائط كما غيره من القرارت والمواثيق.
ويترافق هذا الانحلال والتقاعس للدولة، مع تحريض اعلامي وسياسي يقوم به أدوات اللوبي اللبناني – الأميركي من بيروت الى واشنطن، يستعجل المكاسب التي يريدها بمواجهة المقاومة وبيئتها.
في مفارقة تذكر، و«السيادة المزعومة» هي مجرد تبرئة ذمة امام دول العالم، ولكن بمواجهة الجنوبيين أنفسهم ودون أي اهتمام ملحوظ في جدول اعمال الدولة، ودون مساعي لاستعادة ثقتهم بحكومتهم فيما تسارع حكومة نتنياهو الى عقد اول جلسة في مستوطنة كريات شمونة، كانت وعدت بها المستوطنين منذ زمن لتشجيعهم على العودة وطمأنتهم، وقد اعتبر نتنياهو انه «لا يمكن بعد الآن تسمية هذا المكان بكريات كاتيوشا».
لا شك ان هذا العدو المعتدي والعنصري والمجرم المعتاد على قلب الحقائق يدأب على ذلك، ويستمر على اعتبار نفسه الضحية.
يروي نتنياهو في كتاب مذكراته «مكان بين الأمم» عما صرحت به صحيفة «دافار» الصهيونية مستنكرة ما حصل مع «المهاجرين اليهود»، يوم انتفاضة العام 1929 في فلسطين وأدت الى سقوط قتلى من اليهود، فكان موقفها تساؤلاً اعتراضياً عن القانون الذي يفرض على رجال اليهود التخلي عن حياتهم وحياة أولادهم ويعرضهم للمخاطر وممتلكاتهم للنهب!!!!
تسأل «دافار» السؤال قبل اعلان دولة الاحتلال عام 1948وقبل انشاء المنظومات الدولية الداعمة لحقوق الناس وأصحاب الأرض. وهنا الاستهجان. هم يريدون لأنفسهم ما يرفضوه لسواهم.
يتجاهل هذا العدو ومعه داعميه حقوق اهل الأرض في الجنوب بأملاكهم وارزاقهم وعودتهم والاعمار وهو حق مكتسب تكفله القوانين والمواثيق.
يغيب دور حكومتنا فيما رئيسها يتغنى بتاريخه كديبلوماسي عريق وقانوني في المؤسسات الدولية.
الدولة اليوم مطالبة بممارسة دورها ومساندة شجاعة الجنوبيين الصامدين في ارضهم رغم الاستهداف اليومي قتلاً وتدميراً وايضاً تلويثاً، كان بقذائفها ونيرانها واليوم بمواد كيمائية خطورتها تمتد لأجيال بعيدة.
ان مطالبة دولتنا لدولة العدو بالتعويض عن ارتكاباتها بات اول الأولويات، من اجل تجريم العدو في سجلات الأمم المتحدة وإلزامه بدفع جزاء انتهاكاته للإنسانية والارض.
وقد سبقّ للبنان ان غرّم هذا العدو الوجودي ملزما إياه بدفع تعويض، بلغ 850 مليون دولار وافقت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة أثر تلويثه الشاطئ الجنوبي بعد قصفه لخزانات النفط في الجية، في حرب العام 2006، على مدى 170 كلم وامتداد ذلك الى الساحل السوري. شارة ان نواف سلام يومها، كان سفيرا للبنان في الأمم المتحدة.
ان عدم مسارعة لبنان الى تقديم شكوى هو مزيد من الخذلان للبنانيين، ومزيد من الاستسلام امام العدو وداعمته واشنطن.
ان التنازل اللبناني المستمر ان امام صيغة التفاوض، بإضافة مدني او القبول بإيحاءات إيقاف الميكانزيم وايضاً عدم الصدّ بالكامل للكلام الذي يجري عن نقل مكان الجلسات التفاوضية الى خارج لبنان، كل ذلك يؤدي الى تنامي المخاوف والتساؤلات عن مقاصد ابعد!!!
خوف الجنوبيون بمحله اليوم، ان نكون امام ترتيبات جديدة تورط لبنان في اتفاقات امنية واقتصادية وتطبيعية فيما الدولة اللبنانية المنهمكة في كسب رضى الإدارة الأميركية لا نراها تكترث لمخاوف الجنوبيين مما سيؤول اليه الانحناء الدائم هذا. يزعم البعض ان واقع العالم المتغير والذي يدار بجنون، ممن أسقطوا القوانين الدولية ويريدون اخضاعنا لأخلاقهم الشخصية التي امتحنها العالم وراء جدران ابستين وفضائحه، هؤلاء جميعا يفتشون عن المكاسب من ثروات بلادنا دون أدني اهتمام برأينا.
في الخلاصة لن يهزم أبناء شعبنا وارادتهم لم تنهزم يوما امام محتل، وقد استطاعت مقاومتهم هزم عدوهم مرات عديدة، وشعب واجه بالزيت المغلي والسكين وبجسده واجه الميركافا، وكل تهويل بالتطور التقني الذي يستعمله هذا العدو لمواجهة اهل الأرض، قد ينتصر لوقت وجيز، ولكنه لن ينزع إرادة البقاء في الأرض وحقه بها واولاده من بعده، وهذا ما يجب ان تدركه حكومة لبنان اليوم أكثر من الامس.
يقول أنطون سعاده عن ارتهان دولة لبنان بعد نيلها استقلالها الصوري «خرجت الامة من الحبوس والزنازين، ولكنها لا تزال ضمن السور الكبير للسجن الكبير»،
ويبدو ان نهج دولتنا لم تغيره السنين بعد.


