جولة مسقط التفاوضية هي الاولى وليست الوحيدة

يرتفع ضجيج طبول الحرب بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية ثم يعود للانخفاض على شكل متواليات مستمرة مما جعل من اخبار الحرب المحتملة مجال الحديث للجميع من ملوك ورؤساء وامراء ووزراء وارباب الصناعة والمال والسياسة والاكاديميا، انتهاء بربات البيوت، خاصه مع شعور الجميع ان الازمات على مستوى الامة والاقليم قد اصبحت متداخلة حتى لا تبدو وكأنها ازمة واحدة وان تعددت اشكالها وساحاتها ثم لتأثيرها على مجريات الحياة اليومية وأدراك الجميع ان ما بعد الحرب ان اندلعت سيكون مختلفا بشكل كبير جدا عما قبل الحرب.

تساهم دولة الاحتلال في وضع العراقيل امام اي حلول وتخلق العقبات ولا تتوقف عن المشاغبة، وتدفع باتجاه الحرب الشاملة وفي مخيلتها ان من سيتحمل الضربات الإيرانية المقابلة سيكون الخليج اولا و قبل فلسطين المحتلة، وهي تخالف بذلك داعمها وحليفها الاول الولايات المتحدة الأمريكية اذ ترى ان الحرب مع الجمهورية الإسلامية تمثل ضرورة ولها مكانة متقدمة في اجندتها، وان الطريق الوحيد للتعامل مع طهران التي تمثل في العقيدة والسياسة تهديدا وجوديا لها ليس الا الحرب الشاملة و تحطيم الدولة، ومع الاخبار التي تحدثت عن جولة تفاوضية بين طهران وواشنطن، اعلن عن زيارة سوف يقوم بها (وقد قام بها) المبعوث الامريكي ويتكوف للمنطقة فسارعت تل ابيب بالطلب من واشنطن ان يبدأ المبعوث الامريكي زيارته بدءا من تل ابيب، وذلك في اعقاب عودة رئيس اركان جيشهم من واشنطن بعد قيامه بزيارة وصفت انها على قدر عال من الأهمية والخطورة هدفت للتنسيق العسكري بين البلدين في حال اشتعلت نار الحرب مع ايران.

لا بد من التأكيد ان واشنطن وتل ابيب تشتركان في عداء إيران، الا ان لواشنطن مقاربة مختلفة للتعامل مع هذا العدو المشترك وهي تدرك معنى الدخول في حرب مفتوحة مع طهران، ولا زالت تفضل حتى الان الحرب النفسية المترافقة مع التهديد والوعيد وارسال البوارج واعداد القواعد العسكرية وحالات الاستنفار والطلب من بعض شركات الطيران المدني بوقف رحلاتها للمنطقة او الطلب من رعايا بعض الدول المغادرة، وذلك للوصول الى صفقة ما او لتوجيه ضربات تكتيكية وتجعل من الحرب الشاملة الخيار الاخير.

ترى ايران وان لم تعلن ان هدفها في الوقت الحاضر ، النجاة من الحرب لكن ليس باي ثمن، فالحرب تستهدفها وجوديا كوطن وكنظام ولكنها في ذات الوقت لا تبدو وكأنها ترتعد خوفا كما يرتعد المجال الجغرافي القريب لها والذي بادرت تسع دول ممن اصابهم الهلع الليلة قبل الماضية بالاتصال بواشنطن فورا ،الاعلان عن الغاء جوله المفاوضات، لإقناعها وربما لرجائها ان تعود للتفاوض وهو ما حصل فيما كانت ايران تريد ان تثبت بعض النقاط الشكلية من خلال نقل مكان التفاوض من تركيا الى عمان وكأنها تقول انني لست من الضعف والخوف والهلع كما تعتقدون.

لا زال الخلاف قائما حول ما سيكون مطروحا على طاولة التفاوض والذي ترى ايران انه مقتصر على الملف النووي و الطريف في امره ان الولايات المتحدة سبقت ان اعلنت و بتبجح انها دمرته بالكامل الامر الذي يطرح السؤال: طالما تم تدميره فعلى ماذا ستفاوض ايران بشأنه؟ فيما قائمة المواضيع التي تريد واشنطن مناقشتها تطول وهي في حقيقتها اكثر مما تعلن، وشروطها ان تبدأ بالملف النووي ثم تنتقل لملفات لا حصر لها منها، انهاء الصناعات العسكرية الإيرانية خاصة الصاروخية البعيدة المدى وهو امر ترى ايران ان من شانه تجريدها من مصادر قوتها ويجعلها عارية امام اي تهديد وان هذا المطلب لا يختلف  عن مطالب واشنطن وتل ابيب بنزع سلاح المقاومة اللبنانية والفلسطينية، وتطال المطالب الأمريكية وقف التمدد الايراني والانكفاء نحو الداخل ولكن ما لا تدركه واشنطن ان هذا التمدد خاصة في اليمن ولبنان قائم على عقيدة وايمان وليس تمددا وفق قواعد الزبائنية و الارتزاق و مرتبط بالتحويلات البنكية، وتريد واشنطن السيطرة على النفط الايراني كما فعلت في فنزويلا والعودة الى بيعه بالدولار وفق ما ينص نظام سويفت لا بالمقايضة او باليوان الصيني حيث ان الصين هي زبون الوحيد للمفاوض الايراني وهذا ان حصل فسيمثل ضربة قوية للاقتصاد الصيني ويفقده القدرة على المنافسة بالسعر المنخفض.

لا زالت الاحتمالات مفتوحة امام الخيارات الثلاثة الحرب الشاملة او الضربات التكتيكية او الرقص على حافة الهاوية ثم الوصول الى تسوية ولكن هذه الجولة التفاوضية ستكون في غالب الامر الجولة الاولى التي ستتناوب بعدها حالات التفاؤل والتشاؤم، وهي بكل احتمالاتها خاتمة لمرحلة قد انقضت وبداية لنظام ـ على الأقل ـ  اقليمي جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *