الإعلام كضرورة

الإعلام في المشرق العربي، في أزمة وجود، ليس بسبب خطابه (الذي يمكن توصيفه)، ولكنه في أزمة تعاقدية، تلغي ضرورات وجوده، وتبعده بشكل متفاقم عن معنى الإعلام، بسبب تشابهه مع القوانين والتعليمات، التي تحرفه عن مبتغاه أولا، الذي هو ممارسة الحق العلم بالمعلومة، وهو حق أصلي للمواطن في «وطن»، غيابه أو تمويهه يعني انتقاص من المواطنة ذاتها، ليتحول إلى سلاح من أسلحة إستمرارية السلطة، يرافق الأجهزة الأمنية في كم الأفواه، بل يسبقها إلى تصنيع الوعي، عبر قوة التحذير من مغبة العلم بمجريات البلاد، وأتخاذ موقف منها، ما يجعل البيئة المعلوماتية بيئة مزيفة، مبنية على الإخفاء والحجب أكثر مما هي بيئة معرفية، تتصرف بممارسات تصحيحية، ضد الخلل، ولعل فضيحة ( أبستين الحالية، وقبلها الكثير) تعطي المثال الواقعي على القوة الأخلاقية التي يقوم الإعلام بتزويد المواطنين بها، في سبيل الإطاحة بالإفساد، وهذا (كمثال) يوضح الفراغ القائم في بلادنا بين المعلومات والإعلام، فالمعلومات التي هي حق المواطن، تتحول إلى أسرار في هذه البلاد، بحجة السيادة أو السلامة العامة، والاستقرار الأهلي، ولكنها في الحقيقة خطوة باتجاه إعدام التصحيح عبر القوة الاجتماعية الثقافية، في رفض الأخطاء، مما يصون آليات إنقاذ الاجتماع البشري، الذي يتطلع نحو إرتقاءات تعزز منعته واستمراره.

الحق العام بالمعرفة،  هو أحد أسس إقامة الدول، ومن دونه يصبح التأسيس أعرجاً، يساعد على تقويض فكرة التأسيس نفسها، لإنه بهذه الحالة، سوف يخفي الإعلام سلامة وصلاحية الأسس الأخرى، ويبرر عرجها، ليتحول العرج إلى عاهة عامة مستديمة أو شلل غير مرئي في المؤسسات، التي تهدر فرص السلامة العامة، لتنهار السلطة نفسها التي شبهها هكذا إعلام بـ (دولة)، ليتحول الحق العام إلى باطل عام لا يمكن البناء عليه، وتخسر الأوطان الزمن من جهة والبنية التحية الفعالة، تحت وابل من الضخ الإعلامي، المحمي بالمحظور والممنوع، لتتحول المساءلة كواجب مواطني، إلى سباق في التملق والنفاق، ورمي الأوساخ تحت السجادة. وفي هذا إلغاء للمعنى في مسائل مثل الدولة والهوية، يكفينا في ذلك (كمثال) معيار قوة جواز السفر كمعيار دولي لمكانة السلطة التي أصدرت هذا الجواز دولياً، وهذا نوع من الحساب «للدولة» على بيدر الحقيقة، في بلدان تدعي 7000 سنة حضارة!!، يتسبب به حرمان الناس من الرقابة الشعبية القائمة على المعلومة الصحيحة، وهو حرمان غير مشروع، يترك فراغاً حقيقياً في نوايا تأسيس دولة.

قوانين تداول المعلومات، وممارسة الحق بالمعلومة، أصبحت من تقليديات أداء المجتمعات، لإن المعلومة بذات نفسها هي قيمة عملية كبرى، تؤسس المؤسسات لتصنيفها وتبويبها وأرشفتها، تسهيلاً لاستخدامها، وليس من أسرار على المواطن إلا تلك الأسرار الأمنية والاقتصادية العليا، والتي يجري حجبها بقوانين عقلانية علانية تظهر سبب حجبها وتصنيفها على أنها أسرار دولة وليس أسرار سلطة، بحيث يبقى الحق بالمعلومات حقاً أصلياً لا يخدش، ببهلوانيات قانونية، تخدش ديمومة الدولة ومرجعيتها، ففضيحة أبستين تصون الدولة ودول الأفراد المشتركين في فعاليات هذه الفضيحة (إذا كانت دول)، من ناحية خضوع الجميع للقانون على قدم المساواة، وبالتالي إعادة الأداء الأخلاقي إلى جادة المصلحة العامة، وإلا سقطت الدولة نفسها في الخواء الأخلاقي، الذي لا مناص من دفع ثمنه من قبل الجميع.

الرقابة بجميع أنواعها، هي تعبير عن الخوف والهشاشة، أمام المعلومة وانكشافها، وبالتالي تبدو الرقابة، كفعل سلطوي وتسلطي، يحرم الناس من الحقيقة، حتى في حالات الفنون والترفيه، وهي ما يجعل الإعلام قابل للتجاوز والتغافل عنه، واللجوء إلى مصادر إعلامية أخرى، ولدينا في هزيمة 67 خير مثال عن إعراض المواطن عن الإعلام المحلي، واليوم تبدو المنصات الإعلامية فنية كانت أم سياسية، كبديل عن الإعلام المراقب، ولا عزاء للرقابيين، فلا أحد يسأل عنهم، حتى في حالات الأدلجة الشديدة (إيران مثالاً)، حيث تبدو قولبة الإنسان غير مجدية، مهما كانت الإيديولوجيات محقة من ناحية الكم أو من ناحية النوع (الإتحاد السوفياتي مثالاً)، لنقف على مفترق … أي طريق أكثر فائدة حجب أم إطلاق المعلومات؟

لا أعتقد أننا مررنا في هذه البلاد، بفترة إعلامية منصفة، للناس، فطوال الوقت تم النظر إليهم كقطيع يلتهم المعلومات إجبارياً، أو فهلوياً، فالقوة الحقيقية الفعالة للدولة تقوم على الحقائق، والمسألة هنا ليست مسألة تجريب، فلا أحد عاقل يجرب وقوع الفاس بالراس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *