إن إرادة المواجهة والمقاومة للعدو اليهودي والأطماع الأجنبية ليست حدثًا عابرًا في تاريخ شعبنا، بل هي أعظم ظاهرة اجتماعية سجلها، ويسجلها، شعبنا الأبي، لما تنطوي عليه من عنفوان الحرية لنفسية عظيمة.
هي تمثل الطريق الطبيعي إلى التحرر والاستقلال. غير أن هذه الإرادة، يجب ان تستمر قوية حتى تجني الفاعلية والتأثير في مسار حياة الأمة. إذا بقيت محصورة في إطارها الكياني الضيق، المرسوم والمعد أصلًا من قبل الأجنبي، بحيث تفقد أي ممانعة قومية قدرتها على تحقيق تقرير المصير والاستقلال والسيادة. لتكون قوة حقيقية لهذه الإرادة، يجب أن تتوحّد إمكانيات الدول السورية، كمؤسسات رسمية حاكمة، مع الحركات والمؤسسات الشعبية الأهلية، لتتحول إلى قوة متكاملة تشكّل سدًا منيعًا في وجه العدو اليهودي والأطماع الأجنبية.
لقد أظهرت تجارب القرن الماضي، كما تؤكد وقائع القرن الحالي، حجم التناقض والتصادم القائم بين السلطات الحاكمة في دويلات الأمة السورية وبين الإرادة الشعبية العامة. ولم يكن التخلف والرجعية سمة هذه السلطات مقتصرين على أشكال الحكم أو نظم الإدارة، ولا على أساليب معالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية فحسب، بل تجلّى فسادها الأعمق في تجاهل حقيقة أن سورية أمة واحدة، وشعب واحد، ومصير واحد. ونتيجة هذا الإنكار، فقدت تلك الدويلات الحرية والاستقلال والسيادة، وتحولت إلى كيانات عاجزة عن حماية وجودها أو الدفاع عن مستقبلها.
أما ما تشهده بلادنا اليوم من فقدان للتوازن، وفوضى، وضعف، وما يرافقه من ضجيج حركات ومؤسسات وتنظيمات وأفكار تتصارع وتتقاتل، فإنه يعكس نهجًا انتحاريًا بعيدًا كل البعد عن طريق النهوض والارتقاء. فما زالت التجمعات السياسية والفرق المتناقضة المتصادمة تخبط خبط عشواء، نتيجة انطلاقها من قضايا جزئية كيانية ومذهبية وطبقية وعشائرية، ومن أمراض فردية فئوية، الأمر الذي قاد إلى تعميق الفرقة والشقاق بين أبناء الشعب الواحد، ووضع مقدرات السلطة في الدويلات بيد النفعيين والمرتبطين بذيل المستعمر الغاصب والسارق لموارد الأمة الطبيعية. وهذه الأمراض الاجتماعية والسياسية هي التي أفقدتنا فلسطين، وهي نفسها التي جعلت المغتصب اليهودي متقدمًا ومتفوقًا على سلطات الكيانات السياسية في الأمة السورية.
من هنا، تبرز المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق السلطات الحاكمة في دويلات الأمة السورية، في أن تتنبه إلى هذه الإرادة السورية الشجاعة التي تأبى الذل، وترفض الاحتلال، وتقاوم الخنوع والاستسلام للعدو اليهودي، لا أن تحاربها أو تسعى إلى إضعافها. كما يقع على عاتقها واجب رفض مدّ يد التعاون مع الدول التي لا تقرّ بحقنا في الحياة وبحقنا القومي في جميع مسائل الأمة السورية، على أن يستند هذا الرفض إلى عزيمة شعب أثبت استعداده، فردًا فردًا، للفداء بحياته دفاعًا عن الحق القومي وعن الحياة الحرة للأمة السورية جمعاء. أما الجراح العميقة التي تسببت بها السلطات الحاكمة والفئات المذهبية الجاهلة لحقيقتها القومية وقضيتها، فإن استمرارها على هذا النهج لن يحصد إلا مزيدًا من الموت، ومزيدًا من الحدود المرسومة بالدم بين الإخوة.
وللخروج من واقع الفوضى والضعف، تشكّل مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي إطارًا قادرًا على قيادة الأمة نحو القوة واستعادة دورها الحضاري. ويتطلب ذلك أن تصغي الحكومات في الدول السورية إلى إرادة المقاومة الشعبية العامة، وأن تجعل من إشغال العقل العلمي منطلقًا لفهم حقيقة وجودنا السوري الإنساني، وحقيقة وطننا السوري، وحقيقة أننا شعب، واحد، ومجتمع، واحد.
كما يقتضي هذا المسار تحرير العقل من الأوهام التي تزعم أن الله لفئة دون أخرى، سواء كانوا على دين المسيح، أو دين محمد، ومذاهبهما، والإقرار بأن الله لا تملكه فئة، بل هو لجميع البشر. وانطلاقًا من ذلك، يتأكد أن مبدأ فصل الدين عن الدولة هو من أعظم المبادئ التي توحّد المجتمع والدولة، وتحصّن المصلحة القومية، وتجمع تعدد الأديان والمذاهب في دولة واحدة، يتمتع أبناؤها بالحقوق نفسها ويلتزمون بالواجبات نفسها.
وعندما يتحقق هذا المسار، تصبح الأمة السورية والدولة السورية قادرتين على تأسيس جيش قوي يدافع عن الوطن السوري، ويزيل الاحتلال اليهودي، ويدفع بالمستعمر إلى الخارج. وإلى أن يتحقق هذا المبدأ وتقتنع به الحكومات، يبقى واجب الشعب السوري أن يقاوم، وألا يسمح للعدو اليهودي المحتل بتثبيت وجوده في بلادنا.

