شرق الفرات بين احلام الانفصال ومصالح الغرب

يبدو أن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لم تستطع الوصول لتحقيق الحلم الكردي بالانفصال بشرق الفرات على المدى المنظور، وان مصالح الغرب والعدو المغتصب وتركيا تعارضت في هذه المرحلة مع هذا الحلم، ليبقى «حلمهم غائبا» لأجل غير معلوم، ويبدو أيضا أن هذا التشكيل المسمى (قسد) الى زوال، وكما حدث حين سقوط نظام بشار الأسد بتوافقات ومصالح غربية، يتكرر المشهد شرق الفرات من جديد.

وبالعودة لما قدمته حكومة دمشق المؤقتة من تنازلات للكيان اليهودي والغرب، رجحت هذه التنازلات كفة هذه الحكومة لدى المشغل الغربي وأصبح من الضروري انهاء مشروع (قسد) واستبداله بمشاريع مرحلية تزيد المشهد تعقيدا وتشعل المنطقة بصراعات قادمة مفتوحة وتعيد مشاهد الصراع منذ 2011.

بدأت الأحداث بين قوات الحكومة المؤقتة و(قسد) بحصار احياء الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب وقصفها حيث بدأت المعارك بين القوات الكردية التابعة لقسد وقوات الفصائل المدعومة تركيا «والأمن العام والجيش التابع لحكومة دمشق الانتقالية في الاسبوع الأول من كانون الاول 2025 حتى بداية كانون الثاني 2026. ونتيجة لهذه الاحداث تم التوافق على انسحاب هذه القوات الكردية الى ريف دير حافر شرق حلب على بعد حوالي 50 كلم شرقا، ادى هذا الانسحاب والتمركز للقوات الكردية لإعلان النفير ومشاركة عشائر عربية في القتال لصالح حكومة دمشق بالإضافة لمشاركة الفصائل في القتال، ومع بداية منتصف كانون الثاني 2026، وبعد معركة خاطفة انسحبت قوات (قسد) الى مناطق شرق الفرات، وتتابعت المعارك حتى منتصف كانون الثاني لتتم السيطرة على مدينتي الطبقة والرقة وسد الفرات وبعض حقول النفط، لتنسحب على أثر ذلك القوات الكردية متمركزة في منطقة عين عرب شمالا (كوباني) واقصى شمال شرق الفرات حول مدينتي الحسكة وريفها والقامشلي وعامودا لتخسر بذلك اكثر من 80% من مناطق نفوذها السابقة، هذه المعارك الكبيرة ادت لخسائر بشرية كبيرة للطرفين على طول خط القتال حيث تشكلت القوات المهاجمة من قوات الفصائل المدعومة تركيا» وبعض العشائر العربية وقوات الأمن والجيش التابع لحكومة دمشق المؤقتة، مقابل قوات كردية مختلطة من حزب العمال pkk وقوات استقدمت من بعض مناطق (كردستان) بالإضافة لقوات (قسد)، وأخطر ما حدث هو انسحاب القوات الأمنية المتمركزة بمخيمات الاعتقال لعناصر (داعش) مثل مخيم الهول والروج والتي يقدر عدد المحتجزين من الاطفال والنساء والرجال هنام بأكثر من 50 الف، تم نقل جزء من هؤلاء من قبل القوات الأمريكية الى العراق والباقي مازال في هذه المخيمات والعديد منهم غادرها، هؤلاء هم القنبلة الموقوتة التي ستعيد ترتيب اوراقها مستقبلا لتشكيل نفسها من جديد، ليستمر حمام الدم دون توقف، ولا ننسى الاطفال المحتجزين والذي يقدر عددهم بأكثر من 20 الف طفل دون اي تعليم سوى التعليم المستند للأيديولوجيا السلفية الجهادية التي يتلقوها ضمن هذه المخيمات، انهم جيل (داعش) المستقبلي،  وبالعودة للمعارك الميدانية ادت هذه المعارك لكوارث على المستوى المدني والعسكري والأمني فقد حدثت انتهاكات بحق المدنيين من قتل وخطف، نزحت على اثرها مئات العائلات الكردية باتجاه شمال وشمال شرق خوفا« من انتقام قوات الحكومة والفصائل والعشائر التابعة لها، وبالمقابل نزحت المئات من العائلات من شمال شرق الفرات الى الجنوب والغرب خوفا» من عمليات انتقام مقابلة، وكان اكثر النازحين والمهجرين هم من تبقى من العائلات الآشورية والسريانية التي بقيت صامدة رغم ظروف الحرب الطويلة والضغوط الممارسة عليها من قبل ( داعش ) و(قسد) سابقا ولكن يبدو ان التاريخ الحضاري السوري من آشورية وسريانية شرق الفرات وحوض الخابور الى زوال، وبالعودة الى الخدمات فهنالك انقطاع كامل للخدمات الضرورية والدواء وغذاء الاطفال في العديد من مناطق الصراع، فقد تأثرت مدينتي الحسكة والقامشلي بعد تعطل محطات ضخ المياه وانقطاع المياه عن المدينتين واريافها مما اضطر السكان لاعتماد مصادر بديلة غير صحية، بالإضافة لضعف الخدمات الطبية وتعطل الاجهزة الطبية نتيجة الضغط الكبير الني تعرضت له هذه المراكز الصحية، ويحذر من انتشار العديد من الأمراض حيث سجلت حالات اصابة ب (الليشمانيا) والتي تسمى (حبة حلب) نتيجة انتشار الحشرات بسبب القمامة والنفايات في المدن وخاصة مدينة الحسكة وافتقارها للخدمات البلدية، بالإضافة لنقص في السلع الأساسية وخاصة مادة الخبز وارتفاع الاسعار بشكل كبير مترافقا مع ضعف القدرة الشرائية للسكان , مع وصول القليل من المساعدات الانسانية من منظمات دولية.

اما على الصعيد السياسي فقد أصدر رئيس الحكومة المؤقتة بدمشق أحمد الشرع المرسوم رقم 13 للعام 2026 والذي يؤكد من خلاله ان المواطنين السوريين الاكراد جزء اساسي واصيل من الشعب السوري وان هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة. وعلى الصعيد العسكري فقد دخل الصراع في أكثرمن هدنة، ولكن لم تكن لتدوم طويلا بسبب خروقات الاطراف المتصارعة، وصباح يوم الجمعة الموافق 30.01.2026، بوساطات وضمانات فرنسية وامريكية وكردية (مسعود برزاني)، مع ترحيب وتأييد للعديد من الدول العربية والأوروبية، تم الاعلان عن اتفاق شامل لإعادة ترتيب السلطة بين الحكومة المؤقتة في دمشق و(قسد) وقد نص الاتفاق على ما يلي:

* وقف شامل لإطلاق النار على كافة الجبهات شمال وشمال شرق، وتحويل النزاع الى نزاع سياسي، وليس عسكري.

* دمج قوات (قسد) في الدولة السورية المؤقتة، أمني وعسكري عبر مراحل.

* دخول قوات الحكومة المؤقتة السورية الى مركزي مدينتي الحسكة والقامشلي واستلام مؤسسات الدولة.

* دمج المؤسسات المدنية والادارية في هيكل الدولة السورية المؤقتة.

* حماية حقوق السكان بما فيها حقوقهم الثقافية واللغوية والأمنية.

* اعادة اللاجئين نتيجة الاحداث الى مناطقهم وتأمين عودة آمنة لهم.

وسيتم تطبيق الاتفاق على مراحل في الأيام القادمة مع بعض الاختلاف في تفسير بعض بنود الاتفاق من قبل الطرفين والتي سيتم التوصل لتفاهمات ثانوية بشأنها مع أن الوضع الأمني بين الطرفين هش ومن غير المستبعد سقوط هذا الاتفاق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *