سورية إلى أين؟ بين الانهيار الشامل وغياب المشروع القومي

ما يجري في سورية اليوم لم يعد مجرد أزمة حكم أو صراع نفوذ، بل انهيار شامل لفكرة الدولة نفسها. الدولة التي وُلدت مشوّهة، ثم حُكمت بالاستبداد، تُستكمل اليوم تفكيكها باسم الأمر الواقع، والتوازنات الدولية، و«الخصوصيات المحلية».

أولًا: سلبيات الواقع… حين يصبح الانحراف قاعدة

سلطة بلا شرعية وطنية

ما بقي من السلطة لم يعد يمثل دولة، بل شبكة مصالح أمنية واقتصادية تعيش على إدارة الخراب. لا مشروع، لا رؤية، لا مساءلة. دولة تحوّلت من كيان سيادي إلى وظيفة عند الآخرين.

قوى أمر واقع تقتل مفهوم الأمة

في مقابل سلطة عاجزة، نشأت سلطات موازية:

ـ مليشيات

ـ إدارات محلية مسلّحة

ـ مشاريع حكم ذاتي بلا عمق وطني

جميعها تشتغل بمنطق: المنطقة قبل الأمة، والسلاح قبل السياسة.

الطائفية والجهوية كبديل عن المواطنة

أخطر ما يحدث اليوم هو تطبيع الانقسام.

لم يعد الخطاب الطائفي محرّمًا، بل صار أداة تعبئة.

ولم تعد الجغرافيا السورية وحدة حياة، بل خرائط خوف.

اقتصاد النهب والبقاء للأقوى

اقتصاد الحرب لم ينتهِ، بل تغيّر شكله.

فساد مشرعن، تهريب، احتكار، وإفقار ممنهج.

المواطن لم يعد شريكًا في الوطن، بل ضحية دائمة.

ثانيًا: هنا جوهر الأزمة… غياب الفكر

أنطون سعادة قال بوضوح:

«إن الأمة التي لا تملك وعيًا لذاتها، تصبح مادة لغيرها.»

ما تعيشه سورية اليوم هو نتيجة إقصاء الفكر القومي الاجتماعي وكل فكر يرى الأمة وحدة حياة ومصير، واستبداله:

إما بفكر سلطوي أمني

أو بفكر ديني طائفي

أو بفكر ليبرالي مستورد بلا جذور

النتيجة: مجتمع بلا بوصلة، ودولة بلا معنى.

ثالثًا: وهم التعدد بلا دولة

يُروَّج اليوم للتعدد كأنه حل، بينما هو في الواقع يُستخدم لتبرير التفكيك.

سعادة لم يكن ضد التعدد، بل ضد تحويله إلى سلاح تفتيت.

التعدد خارج الدولة = فوضى

الحرية خارج النظام = غابة

والخصوصية خارج الأمة  تؤدي إلى مشروع انفصال مؤجّل

رابعًا: ماذا كان سيقول أنطون سعادة اليوم؟

لو كان سعادة حاضرًا، لقال بوضوح:

لا مصالحة بلا عدالة

لا دولة بلا سيادة

لا حرية بلا نظام

ولا مستقبل لأمة تُدار بعقلية الطوائف والعشائر

ولكان اعتبر أن:

«كل كيان لا يقوم على مصلحة الأمة هو كيان مؤقت، مهما طال عمره.»

الخاتمة: إمّا نهضة قومية… أو زوال صامت

سورية اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:

إما استمرار الانحدار حتى تتحول إلى جغرافيا بلا شعب

أو نهضة قومية اجتماعية تعيد بناء الدولة على أساس:

وحدة المجتمع

سيادة القرار

مركزية الدولة

وكرامة الإنسان السوري

إن أخطر ما نواجهه ليس الاحتلال ولا التدخل الخارجي فقط،

بل غياب الإرادة الفكرية والسياسية لمواجهة الذات.

وكما قال أنطون سعادة:

«إن فيكم قوة لو فعلتموها لغيّرتم وجه التاريخ.»

السؤال اليوم ليس:

هل يمكن إنقاذ سورية؟

بل: هل نملك الجرأة لنكون على مستوى إنقاذها؟

إبراهيم الدن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *