تشتدّ على أمتنا ووطننا هذه الأيام أعتى الحروب الكونية، فتتداعى العواصف على أرضنا من كل حدب وصوب، عسكرياً، اقتصادياً، وسياسياً. غير أن العدوان الأشد شراسة والأعظم خطراً ليس ذاك الذي يدمر البنى ويحاصر القوت، بل هو الحرب الثقافية الناعمة التي تتسلل إلى العمق، متوسلةً التجهيل والتشويه لمحو هويتنا السورية وتجريف تاريخنا من الوجدان، فالأرض المغتصبة تُسترد بالقتال، والمدن المهدمة تُبنى بالسواعد، أمّا الهوية إذا ضاعت، وضاع معها وعي الأمة، فقد سقطت القلعة من الداخل.
من هنا، يكتسب رهاننا الأكبر أبعاده الوجودية، الذي أسس له أنطون سعاده حين أكد أن ربح معركة الأحداث هو الطريق الوحيد لربح معركة المصير القومي الشامل. وهذه المعركة المصيرية لا تُخاض بالأماني، بل بالبناء الروحي والفكري المتين الذي يشكل عصبه وشريانه الحيوي جيل الشباب ، فالجيل الصاعد ليس مجرد فئة عمرية تنتظر دورها في غدٍ مجهول، بل هو أمل الأمة الحاضر، والذخيرة الاستراتيجية الكفيلة بكسر موجات التجهيل والتغريب، إن رعاية هذا الجيل وتحصين عقله بالوعي القومي الصحيح هما خط الدفاع الأول عن وجودنا وقيمنا. تقتضي المواجهة اليوم تحويل الثقافة من حالة تنظيرية إلى فعل مقاومة يومي، يربّي الشباب على الانضباط الفكري، ويعزز في نفوسهم أصالة الانتماء، ويشعل في أرواحهم جذوة الإرادة الصلبة التي لا تتراجع أمام الصعاب.
إن زرع اليقين في عقول الناشئة وتدريبهم على حمل المشعل بمسؤولية واقتدار هما الكفيلان بإنشاء ذلك الصف المرصوص من العقول الواعية والسواعد الفاعلة، الصف الذي يسير بثبات ونظام لفرض إرادة الأمة وحقها في الحياة الحرّة الكريمة.
إن الغد القريب الذي استشرفه سعاده، يوم تشهد فيه الأمة حقيقة نهضتها بصفوفٍ بديعة النظام وإرادةٍ لا تُرد، يبدأ من اللحظة التي نقرر فيها استثمار كل طاقاتنا في بناء أبنائنا، فلنحمي عقيدة هذا الجيل من سموم التجهيل، ولنشدّ على أيديهم…، فهم الحراب المسنونة في وجه التردي، وهم القضاء والقدر الذي سيصنع نصر الأمة المحتوم.

