يوم اول أمس قام وزير الامن الداخلي للعدو الإسرائيلي بن غفير بطرد موظفين وعمال وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الاونروا» من مكاتبهم بالقدس معلنا من موقع الحدث: لقد بدأنا بإخلاء مجمع وكالة «الاونروا» في القدس وسيادتنا على المدينة ستخرج من دائرة الاقوال الى دائرة الافعال. ولم يبد الوزير اكتراثا لأي نتائج او عواقب قد تأتي إثر هذه الخطوة التي طالت احدى منظمات الامم المتحدة، ولعله كان مصيبا في تقديره فقد جاءت الردود ما بين خجولة وباهته أن على المستوى الدولي او على المستوى الفلسطيني الرسمي. والكلام يتردد ايضا على لسان وزير المالية والمسؤول عن ملف الضفة الغربية الوزير سمو ترتش: «لم تعد دولة اسرائيل تهتم بالكلام، بل بتغيير الواقع وفرض السيطرة الكاملة على الضفة الغربية، ومن هنا يعمل على نقل الصلاحيات من الجيش الى الوزارات الاسرائيلية تحقيقا للضم النهائي »، وهكذا يتضح ان المشروع الاسرائيلي يتجاوز قطعة ارض مصادرة ليصبح اعادة هندسة لكامل الارض ولحياة من يعيشون عليها من اصحابها الحقيقيين.
هذه هي العقيدة الإسرائيلية الحاكمة بمستوياتها الدينية والسياسية ترى أن كامل الأرض القومية هي أرض لليهود وأن فلسطين هي المقدمة فقط، وهذه الملكية ثابتة ومطلقة بغض النظر عن الوضع القانوني ووثائق الملكية، فهي حق رباني
وتاريخي لهم، وعندما ينصب اليهودي خيمته على أرض، فهو لا يستولي عليها ويغتصبها من أصحابها وإنما يستردها ممن اغتصبوها ل 2000 سنة.
أشرف وزراء في تل ابيب على وضع هذه العقيدة قيد التنفيذ وقاموا بتنشئة ورعاية مجموعات من الشبان والشابات من صغار السن وتمت تعبئتهم بالعقيدة العدوانية
واباحت لهم التوحش ثم اطلقتهم في الضفة الغربية باسم فتيان التلال باعتبارهم مليشيا مرخصة من الحكومة وتقوم بمهمات مكلفة بها في قيادة حركة الاستيطان الجديدة، التي لا تكتفي بالاستلاء على الارض ليكملوا بان يعيثوا بها فسادا و خرابا مما جعل حياة الفلسطيني وامنه الشخصي في خطر وقلق دائمين خاصة في بضع الاشهر الاخيرة؟، فيما تصمت فلسطين الرسمية ويبلغ الاحباط مداه شعبيا ، هذا الاحباط الذي لن يلبث ان يتحول الى احتقان فانفجار قد تأتي بداياته على شكل ما عرف سابقا بالذئاب المنفردة، التي لا يرعاها حزب او فصيل و انما تأتي مبادرات فردية دافعها القهر والجوع والاحباط.
هذا الوضع القلق سيستمر لبضعه أشهر ان لم يتم تداركه وهو مكلف جدا للفلسطيني، ففي حالة خسارة نتنياهو وفريقه للانتخابات، سيحكم فترة غير قصيرة وهو رئيس حكومة تصريف اعمال لحين تستطيع الاحزاب الفائزة تشكيل حكومة جديدة، وهي عندئذ لن تختلف استراتيجيا مع الحكومة الحالية حسب ما قال المبعوث الامريكي لمن التقاهم بالقاهرة مؤخرا، ولكن قد يتم ضبط شيء من هذا الجنون في أحسن الاحوال.
هذا التقدير موجود ايضا في اوساط اسرائيلية نافذه وهي تحذر من هذه السيناريوهات، يقول مسؤول أمنى كبير ان الوضع في الضفة الغربية أصبح قنبلة موقوتة قد تنفجر في اية لحظة بسبب ما يجري من سلوك عدواني للمستوطنين وما يرافقه من حالة فقر وانقطاع لمصادر الدخل، ويضيف ان عملية احتواء ما يجري قد تكون متاحة اليوم، ولكنها ستكون صعبة ان لم يتم تدارك الامر مبكرا، وستكون المؤسسة الامنية امام تحدي كبير بسبب حالة اليأس التي يعيشها الجيل الشاب في الضفة الغربية اقتصاديا وأيضا بسبب غياب أي افق سياسي. اما صحيفة معاريف العبرية فتورد على صفحاتها ان ضباطا كبار في الجيش والامن يخشون من وجود جهات سياسية اسرائيلية تسعى الى التصعيد ودفع الامور في الضفة الغربية نحو المواجهة وذلك لأهداف انتخابية وان اعتداءات المستوطنين تشكل العامل الاول في تصعيد التوتر.
امام هذا الواقع المعقد فلسطينيا وامميا، وامام بؤس الحال القومي الراهن، لا يجد الفلسطيني من نصير، ولا يجد ترف اختيار البدائل باستثناء الصبر المر ما استطاع الى ذلك سبيلا، وقد يطول انتظاره لنتائج المواجهة الكبرى الدائرة بين إيران
والولايات المتحدة، فلا سبيل الا بما يلي:
– اولا ممارسة ضغوط على الولايات المتحدة لإقناعها بضرورة ضبط السلوك الاسرائيلي، فهي الجهة الوحيدة القادرة على ضبطهم، فيما المربع الباكستاني- السعودي- التركي- المصري هو من يستطيع طلب ذلك من واشنطن.
– ثانيا ان تقتنع اوروبا ودول مركزية اخرى بتفعيل مقاطعة دولة الاحتلال بشكل جدي وبما يؤثر عليها ويحد من نشاطها الاقتصادي والامني.


