ما تمر به «سوريا» هذه الأيام يتجاوز في خطورته كل ما يمكن أن يتخيله عقل، ومع ذلك يبقى السوريون غافلون تماماً عما يجري على أرضهم وكل شخص يعتقد أن منطقته خارج هذه الصراعات وينشغلون فقط في أحقادهم.
منذ سقوط سوريا في أيدي عناصر جبهة النصرة وارتفاع مستوى الخطاب الطائفي مترافقاً مع ممارسات ترتقي لتكون جرائم إبادة بحق مكونات المجتمع السوري بدأ الحديث عن التقسيم وتوزيع سوريا على شكل أقاليم طائفية.
لكن هذا المشروع سقط لعدة أسباب وأهمها اختلاف تركيا والكيان الصهيوني على توزيع خريطة السيطرة على الأراضي السورية، فالوجود التركي كان منذ انطلاق الحرب السورية في 2011 في مناطق الشمال ولكن مع سقوط الدولة السورية اتسعت رقعة السيطرة التركية في الداخل السوري حتى وصل للمناطق الوسطى والساحلية وفي دمشق أيضاً وهو الأمر الذي لم يعجب الكيان الصهيوني الذي يضع الجنوب السوري نصب عينيه واقتطع العديد من المناطق الجنوبية في سوريا من محافظات درعا والقنيطرة وتحت انظار مجاهدي النصرة الذين استعمت أعينهم عن هذا الاحتلال بل ويبررون للكيان اعتداءاته في كل مرة، ولكن تطورات الاسبوع الماضي حملت مؤشرات خطيرة على ارتفاع حدة النزاع التركي الصهيوني بعد استهداف مطارات عسكرية في الداخل السوري بحجة وجود قواعد تركية فيها مع تصريحات مشددة من مسؤولين صهاينة بعدم سماحهم بوجود عسكري تركي وتوسيع القواعد التركية في الداخل السوري.
ومن جانبها الحكومة السورية تبقى تلتزم بتعليماتها بعدم الرد او حتى التنديد بشكل رسمي، بل على العكس سارع نظام الجولاني للتزلف والتذلل لدي الكيان المحتل عبر وزير خارجيته الذي تواصل والتقى بشكل علني مع مسؤولين من الكيان الصهيوني، مرة في باريس وأخرى منذ عدة أيام في عمان الأردن، والذي نتج عنه مشروع اتفاق أمني يحمي مصالح الكيان ويحقق كل مطالبه ويبدو ذلك واضحاً بعد تنازل الكيان عن حليفه قسد الذي جاءته الأوامر بحل تنظيمه ودمجه في دولة الجولاني.
واحد وعشرون شهراً لم تعش فيها سوريا يوماً هادئاً، بل بقيت شوارعها مرتع للانفلات الامني في كل مكان حتى وإن رفع اسمها دولياً من بين الدول الراعية للإرهاب، وهذا الرفع كان أيضاً من نتائج الاتفاق الذي حققه الشيباني مع مشغليه من الموساد لأن تعريف الإرهاب حالياً هو فقط من يعادي الكيان وليس من يقتل ويرتكب المجازر ويسبي ويخطف.
إن ما تعيشه سوريا اليوم هو بداية تغيير كبير في البنية المجتمعية السورية التي كانت تعتنق القضية الفلسطينية كعقيدة وطنية واليوم تتجه لأن تصبح عقيدة الذل والتطبيع هي سمة الهوية الاجتماعية السورية في وقتنا الحاضر.
لا خلاص لشعوب منطقتنا الا تحررهم من خوفهم ومن احقادهم وعودتهم إلى اتباع المصالح العليا وتذليل المنافع الضيقة التي تهدم مجتمعنا وتدمره كل يوم.


