رئيس الندوة الثقافية إبراهيم مهنا يرد على افتراءات واتهامات البرشيني

في مقالة للسيد جورج برشيني انتحلت صفة النص النقدي، وتحولت الى هجوم موصوف على أنطون سعاده ورفض فكره ونعته بالعنصري والشوفيني، ومقارنته بالنازية ليُظهر خطورته لا ليمجّده، وانتقاد خطابه المعادي لليهود السوريين، ووصفه بانه أيديولوجية قومية شوفينية تعادي الآخر بسبب الدين وتساويه بالنازية وأن. وأن.

 وختم أنه حان وقت إغلاق الدكاكين البعثية والعروبية والقومية إلى غير رجعة.

 قد لا يستحق كلامه رداً وجهداً، ولكن حتى لا يصبح التطاول سهلاً وميسراً، ومنعاً للتضليل والتعمية، كان من الضروري تسديد الأجوبة.

  -أولا لم يكلف نفسه البحث في العقيدة النازية ولا مؤلفات الفلاسفة الذين استلهمت منهم ولا فلاسفتها ولا مؤرخيها ولا تجاربها وعلى عكس ذلك بالتمام، فالثابت هو التناقض الكامل بين النازية والقومية الاجتماعية في كل مفاصلها، من مفهوم الامة الى الدولة الى المجال الحيوي، الى الموقف من اليهود، الى سلطة الفوهرر التي يلمح اليها. انهما على طرفي نقيض بالكامل. ولو اتسعت الدراسة لفندناها نقطة نقطة.

ففي مسألة الامة افرد هتلر في كتاب كفاحي فصلا كاملا(العاشر) بعنوان الامة والعرق، ويكفي عنوانه لتبيان مدى ترابط الامة والعرق.

 بالمقابل ينسف سعاده كل هذا فيقول «. ليس القصد من هذا الـمبدأ ردّ الأمة السورية إلى أصل سلالي واحد معيّن، ساميأ أو آري، بل القصد منه إعطـاء الواقع الذي هو النتيجة الأخيرة الـحاصلـة من تـاريخ طويل يشمل جميع الشعوب التي نزلت هذه البلاد وقطنتها واحتكت فيها بعضها ببعض واتصلت وتـمازجت، وهكذا نرى أنّ مبدأ القومية السورية ليس مؤسساً على مبدأ وحدة سلالية، بل ع لى مبدأ الوحدة الاجتماعية الطبيعية لـمزيج سلالي متجانس الذي هو الـمبدأ الوحيد الـجامع لـمصالح الشعب السوري، الـموحد لأهدافه ومثله العليا، الـمنقذ للقضية القومية من تنافر العصبيات الدموية البربرية والتفكك القومي.« ونركّز على ليس مؤسسا على مبدأ الوحدة السلالية، بل على مبدأ الوحدة الاجتماعية الطبيعية » أين التطابق؟

 ان سعاده هو اول عالم اجتماع ومفكر، وفي ذروة النازية والفاشية، نجح وبالتحليل في اخراج السلالة من العناصر المكونة للأمة وصاغ تعريفا لها على أساس غير عرقي. وهذا اسهام فكري عالمي يسجل له.

  في مسألة السلالة وفي كتاب نشوء الأمم الذي تستشهد فيه يتكلم سعاده عن السلالة وعقائد ونظريات السلالة في فرنسا وبلجيكا وألمانيا وبريطانيا ويتكلم عن النظرية الآرية ويظهر خطورتها ويميز بين نوعين من السلالات العرقية والسلالات التاريخية. اذ لم تلحظ النازية مسألة السلالة التاريخية. وهذا اسهام من سعاده في التعمق في التحليل الانترويولوجي الثقافي.

 المهم، قالت العقيدة النازية بالسلالة العليا race superieue والترتيب السلالي hierarchie des races وأجرت تصنيفها الى خمس على رأسها العرق الاري وادناها تحت البشر (Untermenschen) وتضم اليهود والسلاف والرومان. وقالت بالنقاء العرقي race pureومنعت الاختلاط، والعرقية العلمية scientific racism.  سعاده رفضها جميعها بالكامل. وقال بالمقابل  « لذلك تبقى مسألة الـمزيج السلالي مسألة علمية ثابتة لا يـمكننا أن نهرب منها» أما ادّعاء نقاوة السلالة الواحدة أو الدم فخرافة لا صحة لها في أمة من الأمـم على الإطلاق وهي نادرة في الـجماعات الـمتوحشة ولا وجود لها إلا فيها. «. كلام واضح حاسم رافض، في ذروة النازية وزخمها وامكانياتها. وبعد 12 سنة عام 1950 جاء اعلان اليونيسكو ليدين الظاهرة العرقية.

  في مسألة المجال الحيوي (Lebensraum) التي تقول بها النازية والتي أعاد الجغرافي الألماني كارل هاوسهوفر إحياء أفكار راتزل فربط بين نظرية المجال الحيوي والحق الطبيعي لألمانيا في التوسع شرقًا نحو روسيا وأوروبا الشرقية، بحجة سد احتياجات الشعب الألماني من الغذاء والموارد. قال هتلر في كتابه »كفاحي: «الدول التي لا تتوسع مصيرها الانهيار… يجب أن نخلق مجالًا حيويًا للشعب الألماني بحدود السيف». فأين قال سعاده ما يطابق ذلك؟

 اما التطابق بين سلطة الزعامة وسلطة الفوهرر المطلقتين، فسلطة الزعيم المطلقة يمارسها على المتعاقدين معه برضاهم الكامل ومثبتة في قسمهم. اما سلطة الفوهرر فمارسها على الالمان. هل مارس سعاده سلطته خارج إطار المتعاقدين معه؟ وبشأن الاتهام  لسعاده بالشمولية هل تجد لنا نصا للدولة القومية التي تصورها سعاده تحكمها سلطة واحدة؟ ان رمي الكلام الجزاف سهل، ولكن المسؤولية الفكرية تتطلب اثباته.

ولأن الباحث يسأل عن موقف سعاده من اليهود ،لكنه لم يكلف نفسه قراءة سعاده في متابعته لتاريخ اليهود السياسي والديني والاجتماعي والثقافي والتشريع الموسوي الجامد والمتحجر وعن الصدام بين الروح السورية المنفتحة واليهودية المغلقة والصدام مع المسيحية السورية، وتزييف تاريخنا وطمسه، والسرقات التوراتية من تراثنا ومنها الاساطير والرموز والمعتقدات، ونقد الالوهة التوراتية…سعاده بنى موقفه من اليهود على أساس فكري نقدي بحت منشور في كتاباته للعلن، لذلك عندما يقول «…ليس من عدو يقاتلنا الا اليهود» فانه يعني ما يقول بعد البحث والدراسة. وان انعزال اليهود في مجتمعات خاصة وعدم امتزاجهم هو مسألة مثبتة ولا يمكن تحويرها اكراما لرغبة البعض الذين لم يستشهدوا بالإسلام في رسالتيه المشبع بالتحليل التاريخي الثقافي والاجتماعي للظاهرة الدينية، واليهودية ضمنا.

     يستشهد برشيني بقول سعاده: إن اليهود «قبائل متعددة هاجمت سورية الجنوبية، واحتلت بعضها بعد حروب طويلة مع سكانها الكنعانيين، وقد بقي اليهود لانكماشهم على ذاتهم، خارج التفاعل الاجتماعي المولِّد للأمة السورية، شأنهم في كل مجتمع نزلوه، وقد قهرهم السوريون وطردوهم من البلاد، فلذلك لا يمكن اعتبارهم أحد أصول الأمة السورية.» إذا كانت الهجرة اليهودية لم تندمج وتنصهر مع المزيج السوري وتم طردها فكيف تريد من سعاده ان يعتبرها احدى الأصول وهي بالأساس لم تنصهر فيه؟ نصه ينطلق من التحليل في الاجتماع والتاريخ لا في الاخلاق. اما مسألة شتات اليهود والنقاش الواسع حوله وتفاصيله وتاريخيته وصحته وواقعه ومن نقاد يهود فقد أشبع درسا ولما زعموا العودة، عادوا لاحتلال فلسطين. البرشيني يدافع عن يهود سوريا الذين بقوا، لكن ماذا بشأن الذين عادوا غزاة؟ هل تمنعه انسانيته من انتقادهم؟

 وأيضا بشأن يهود سوريا لماذا تجاهل موقف سعاده غير المعترض على مجلس ملي لليهود في لبنان فيكتب: «قدّم عدد من اليهود المتذمرين من وضع المجلس الملّي طلباً إلى وزارة الداخلية للترخيص لهم بإنشاء مجلس قومي» يسهر على مصالحهم الطائفية لا يوجد لبناني يريد أن يعترض على شؤون اليهود الملّية وأحوال معتقداتهم الخاصة. ولكن لا يوجد لبناني واحد يقبل أن يجري تساهل في أمر نشوء قوميات غريبة في لبنان فإذا كان اليهود يريدون حقيقة غرضاً ملّياً بحتا، فلا وجه لإيجاد صباغ قومي لهذا الغرض« هلا تميز بين الغرض الملي والصبغة القومية؟ ويقول سعاده: «يمكن أن نقبل بوجود الأقلية اليهودية تحت الحاكمية السورية وضمن حدود سورية. لكن لا يمكن ـأبدا الاعتراف بالاستقلال لهم.» التمعن في النص يوضح ان سعاده لا يرفض حياة اليهود في سوريا، بل يرفض انشائهم وطنا لهم داخل «الأمة السورية»

  أيضا، البرشيني لم يكلف نفسه الاطلاع على اليهودية، وعنصريتها وانعزالها وعدوانيتها وتاريخها وعقيدتها، والنصوص التوراتية والتلمودية وتعاليمها وكتب الحاخامات والتشريعات لأنه اذا كان هناك من تطابق مثبت فهو ما بين النازية واليهودية. ؟ لماذا تتهم سعاده بالعنصرية وتنزعها عن اليهودية؟ هل تعلم ان اليهود يعتبرون نفسهم شعب الله المختار؟ هل بات نقد اليهود محرما في عصور الابراهيمية التي تمثلها حضرتك؟

أخيرا، لن نتوسع اكثر ليس لأن سعاده فوق النقد ولا هو مقدس، لكن لأن للنقد أخلاقه ((ethic ، ومستوى فكري، وأصولا لم تراع منكم.

اليوم نحن على اعتاب العصر اليهودي المسمى تخفيفا بالإبراهيمي والذي شاء البرشيني تمثيله، وأهم شروطه، حظر ومنع الأفكار القومية المناهضة لليهودية والصهيونية. مما يعني ان هذا النص غير بريء وهذا هو المعنى الوحيد لكلمته «حان الوقت».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *