نتنياهو هو من يتخذ القرار

رفعت دولة الاحتلال من مستويات التصعيد الدموي في جنوب لبنان وفي غزة والضفة الغربية، وذلك ما يشير انها مقبلة على تصعيد اكثر سخونة في الزمن القريب، وقت صاحبت الصيحات من وزراء في حكومة نتنياهو، الوزير المتطرف بن غفير على سبيل المثال الذي يطالب بصراحة بالتهام وجبة يومية من اللحم الفلسطيني الحي بمعدل 30 الى 40 شهيدا في غزة، فيما يبدو ان استجابة نتنياهو للضغوط الأمريكية في تناقص، وحسب ما قال اكاديمي فلسطين ان نتنياهو واقع بين خيارين، الاول ان يقبل بالدخول في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب وذلك يعني دخوله في صراع مع اركان حكومته وحزبه اضافة الى المعارضة الانتهازية التي ستستثمر ذلك جيدا، والثاني اغضاب الولايات المتحدة وصديقه دونالد ترامب وهو الامر الذي قد يستطيع ترميمه وإعادة علاقاته به الى سابق عهدها في حاله فاز في الانتخابات.

في هذه الاجواء جاءت زيارة جاريد كوشنير الرئيس الامريكي للسلام في الشرق الاوسط وصهره العزيز وقد بدا زيارته بالقاهرة بلقاء مع قيادة حركة حماس وبحضور الوسطاء وربما القيادي الفلسطيني محمد دحلان وكل من ميلاد ينوف وطوني بلير.

اراد كوشنير انتزاع مواقف من حركة حماس تساعده في حواره مع نتنياهو الذي يخوض معاركه في لبنان وفلسطين وسط حالة اجماع في اسرائيل، فحسب ما تؤكده استطلاعات الرأي ان المجتمع الاسرائيلي بمعظم اطيافه متفق على رفض وجود المقاومة ان في غزة او في لبنان ويريد فرض كامل السيطرة على الضفة الغربية وضمها وتهجير الفلسطينيين منها، يدرك كوشنر دقة اللحظة الراهنة التي تجري فيها الانتخابات الداخلية داخل تجمع الليكود تمهيدا للانتخابات العامة في 28 من تشرين اول القادم.

طرح كوشنر على قيادة المقاومة مسالة التنازل عن حكم غزة، ومسالة تسليم السلاح والتخلي عن الكفاح المسلح، وأكد للحاضرين ان عليهم ان لا يراهنوا على نتائج الانتخابات الإسرائيلية فمهما كانت النتيجة، فان الحكومة القادمة سواء شكلها نتنياهو ام جابي ايزنغوت فلن تتغير السياسة الإسرائيلية تجاه الملفات الرئيسية ومنها الملف الفلسطيني.

 فيما قامت مقاربة حماس على ان هذه الحرب التي خذلها فيها الجميع باستثناء بعض المقاومات الحليفة وفق ظروفها، قد وصلت الى هذه النهاية وان المطلوب اليوم في ظل كل هذا الدمار والقتل والمرض والجوع والعطش توفير الإغاثة وسبل البقاء لأهل غزة الذين قدموا ما يفوق الخيال من الصبر والصمود، فكانت استجابتها لمطالب كوشنر محسوبة، اذ اكدت التزامها بمبادرة الرئيس ترامب، ولكن على ان لا تكون انتقائية وانما سلة واحدة، وتتساءل امام كوشنر: ستتنازل عن حكم غزة، ولكن ليس للفراغ، ولمن ستسلم السلاح؟ لنفسها؟ ام الى اللجنة الفلسطينية التي شكلها مجلس السلام والتي ينتظر اعضاؤها في القاهرة ان تسمح لهم حكومة الاحتلال بدخول غزة، وهي مستعدة للتحول الى حركة سياسية والمشاركة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي ستجري في 28 في تشرين ثاني القادم- هذا ان جرت ولم يتم تأجيلها او عرقلتها، ولا تفكر بالحصول على اغلبية برلمانية تعيدها لدائرة الحكم، وانما ستبقى في المعارضة.

عند انتقاله الى تل ابيب وفي لقائه مع نتنياهو لم تكن الاخبار التي حملها من القاهرة لتؤثر على الموقف الاسرائيلي، اذ اكد نتنياهو ان السلاح يجب ان يسلم للجنرال الامريكي كاسبر جيفرز الذي سيقوم بتدميره وان الانسحاب الاسرائيلي من غزة لن يكون متزامنا مع تسليم السلاح ولن يكون انسحابا كاملا اذ سيبقى الخط الاصفر قائما، في ما اكد ان لإسرائيل الحق في ملاحقة وقتل كل من شارك في التخطيط او التنفيذ لما جرى صبيحة السابع من تشرين اول 2023 وهذه قوائم يحتفظ بها نتنياهو ويستطيع ان يضيف اليها ما شاء من اسماء، وان جيشه وأجهزته الامنية لن توقف نشاطها في غزة لإحباط اي هجوم بما فيها تنفيذ عمليات اغتيال في صفوف نشطاء المقاومة.

سريعا جاء الرد الاسرائيلي على زيارة كوشنر عقب مغادرته فلسطين المحتلة، فقد نفذ الجيش الاسرائيلي هجوما بالغ العنف على غزة استهدف ميناءها مما ادى الى استشهاد وجرح عدد كبير من المدنيين وربما الاهم ان هذه الرسالة قد وصلت الى كوشنر والى حمية سيد البيت الأبيض، رسالة تقول: لن نلتزم بتعليماتكم.

نستطيع في ختام هذا المقال الوصول الى خلاصتين، الاولى ان مجريات الاحداث لا زالت تؤكد بما لا يدع مجالا للشك ان نتنياهو ماض في حربه على لبنان وفلسطين متسلحا بالإجماع الاسرائيلي، وان الموقف الامريكي مهما اختلف او ابتعد عن الموقف الاسرائيلي الا انه لن يذهب كثيرا في خلافه او في ابتعاده، والإدارة الأمريكية لن تنشط مفاعيل الخلاف لتحويله الى قرارات ملزمة لتل ابيب. الخلاصة الثانية ان علينا ان ندرك ان التزامنا القومي والوطني وان كان لا يتزعزع، الا ان الأولوية اليوم هي هذه الوقف المجزرة وحرب الإبادة الجماعية واغاثه من تبقى من اهل غزة وهم في أمس الحاجة الى ذلك فأغاثتهم وإنقاذهم البقاء وهم في غزة ليست مسالة انسانية فحسب وانما في صلب دائرة الاهتمام القومي والوطني، وذلك بعيدا عن التنظير من بعيد او اعطاء دروس للمقاومة والمزايدة عليها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *