الارتقاء هو سنة الكون، نتيجة المواجهات المستجدة، التي تقابلها الجماعات البشرية ( قد تكون مجتمعات أو أقل من ذلك بكثير أو قليل)، وهي تجاهد في سبيل الاستمرار، حملة على أكتافها مسألتان أساسيتان متشابكتان، ألأولى هي الكفاية، والثانية هي الهوية، وهما مسألتان بعيدتان عن الثبات، يتطلب وجودهما الارتقاء بشكل حاسم، هذا بالإضافة إلى كونهما مسألتان ثقافيتان بامتياز، والمقصود بالثقافة هنا هو، المعارف التي تشكل سلوكات الأفراد في «مجتمع»، أو حتى ما دونه، ليصبح البقاء والاستمرار، ونوعيتهما، مرتبطاً بثقافة هذه الجماعة أو تلك، مع أن الثقافة العالمية أنتجت «دولاً» أو ما دونها بقليل أو كثير، إلا أنها ما زالت تعاني من ضعف الفعالية تجاه مسألتي الكفاية والهوية ( وهذا ما يفسر إلى حد كبير موجات الهجرة إلى الغرب حصراً)، وما ما زالت تعاني (هذه «الدول»)، من الكثير من النواقص من ناحية هذه الفعالية، ولزمن قادم غير محدود، مما يلقي العبء كاملاً على الأداء السلوكي للإفراد في ظل ثقافة غير قادرة على الارتقاء لدرجة تمثل المصلحة العامة، وهي أساس وجود «المجتمعات» كمحطة ارتقائية أثناء الاستمرار.
وبما أن الثقافة هي عامل تأسيسي في مسألتي (الكفاية والهوية)، يجعلها خاضعة تماماً لاستحقاق الارتقاء، محولاً مؤسِساتها إلى جينات مسؤولة عن الارتقاء‘ إلى الأعلى أو إلى الأسفل، وأيضاً إلى الأمام والخلف، وهما متلازمتان ، تنمو الجينات الثقافية في بوتقتهما التفاعلية، وليس بينهما أنصاف حلول، فالمعرفة هي ممارسة المعلومات المدخلة، ومخرجاتها تعبر عن تراكمها، تراكما يصعب تغييره إلا بثورات ثقافية، أو وعي متراكم بهدوء شرط أن نلحظ مخرجاته الإيجابية على حياة الاجتماع البشري عن طريق التنمية، وهي العقدة الكأداء أمام الاجتماعات التي تشدها حالتها المعرفية إلى الخلف، لأنها وببساطة تسقط التنمية السياسية من حساباتها، وكأنها لا يمكن ضمها إلى مساعي إحداث المجتمع، وبهذا يستحيل على أي اجتماع بشري الانتقال تطورياً إلى مجتمع، مهما أسعفته اللغة، فالمجتمع مصطلح تقني، لا يوجد ثقافة تدفع إلى سلوكيات تؤزر المصلحة العامة، كما تدفع الأفراد إلى الاستثمار في المصلحة العامة خصوصاً خدمياتها، فهم شركاء حقيقيون لهذه المصلحة، وما عليهم سوى الاقتناع والثقة، وممارسة سلوكيات ناتجة عن ثقافة تذكي التفاعلات التنموية في المجتمع.
لا عدو خارجي للاجتماعات البشرية التي تتطور خلفاً، إذ يكفي أي عدو افتراضي، ما أصاب ويصيب هذا الاجتماع أو ذاك نتيجة القصور الثقافي الواضح وما يتبعه من قصور تنموي ( يكفي أن ترى موكب أي مسؤول في السلطة، المسافة التي تفصل الأنانية الشخصية كثقافة تخلف، بالمقارنة مع ثقافة المصلحة العامة)،فأعضاء هذه الجماعات عاجزون بالفعل عن ممارسة ثقافة المصلحة العامة، بما يعني أنهم عاجزون عن الدفاع ( اقتصادياً واجتماعياً، وخدماتياً….إلخ فما بالنا عسكرياً، وكلنا نتذكر وعود التحرير المؤجل) ‘ن اجتماع لا يرقى إلى درجة «المجتمع»، بسبب تكريس ثقافة الشد إلى الخلف، وهي ثقافة الانقسام تحت أي عنوان، الطائفية ، العشائرية ، المناطقية، العائلية ..إلخ. بما يعني تعريف النفس بالعدو، أنها عكس هذا العدو المعرًف، بينما هي تنكر تعريفها المعلن، لكنها لا تستطيع اجتراح عكسه، ما يتطابق إلى حد الفجيعة مع ممارسة التطور خلفاً، وانتظار نتائج سارة!!!.
المصلحة العامة ليست أكذوبة بيروقراطية، بل هي ثقافة تمارسها الحكومات، والأحزاب، والنقابات، والمجتمع الأهلي، والمجتمع المدني بكافة تمظهراته، ضمن الانضباطيات القانونية والقضائية التي تحمي المساواة، مثلما تحمي عدم الإفلات من العقاب، فالمصلحة العامة، خط أحمر، انطلاقاً من مخالفة مرور بسيطة وليس انتهاء بالاختلاس ( لاحظ نوعية الاعتقالات التي حصلت في العراق على خلفية فساد متخلف وشرشوح يعطي صورة عن ثقافة ضد المصلحة العامة وفالتة من العقاب، إذ لا مساواة تسمح للعضو الاجتماعي بالمساءلة) وهذه مسألة جين ثقافي، لا يحتمل القيم العليا التي تقوم عليها المجتمعات، هذا الجين كان وما زال ينشد التطور بغية الاستمرار، ولكنه لا يفرّق بين اتجاهات هذا التطور، رغم كل التحذيرات المخلصة، التي يرفضها ويحاربها، فهو بالحقية لا يملك الأهلية الكافية لقبولها وتجريبها، فهو جين ينتج شروط استمراره هو، فيوغل في التخلف، فيخسر معارك التنمية دون المشاركة فيها، مكتفياً بما لديه من فتات الحضارة الملقاة إليه من موائد الجينات الثقافية المتطورة ارتقائياً.

