التضليل فن والمقتول قاتل والضحايا مذنبين!

من يواظب على قراءة ما تنتجه الصحافة حول الأزمات والحروب التي نعيشها،  ومتابعة ظهور مختلف الشخصيات السياسية والاعلامية على منصات السوشيال ميديا، يدرك كم بعدت الحقيقة عن الواقع وكم أصبحت الهوّة سحيقة بين الإدراك الواعي والتضليل الكاذب والخبيث.

ولكن وعلى الرغم من كثافة التضليل الإعلامي وتحريك الجماهير و(الرأي العام الذي اندثر في يومنا هذا) من خلال أصابع خفيّة في كل بلدان العالم، لا يسعنا سوى القول؛ أن القرن الماضي كان قرن الاكتشافات الكبرى في مسألة الكذب السياسي والتضليل الإعلامي وأخذ الجماهير إلى حتوفها من خلال الكلام المتواتر في الصحافة، الكلام المنوّم الذي يغسل العقول، ويقود الناس إلى أفكار خاطئة وخيارات سياسية قاتلة.

 كان عالم الاجتماع غوستاف لوبون أوّل من ألقى الضوء وشرح هذه المسألة في كتابه (سيكولوجية الجماهير) سنة 1895 عندما قال:

»أن الجماهير لا تفكّر بالعقل بل بالعاطفة والصور ، ويمكن قيادتها بالتكرار والتأكيد والعدوى».

 كذلك حذا حذوَه سيغموند فرويد في كتابه: (سيكولوجية الجماهير وتحليل الأنا) حين فسّر فرويد حقيقة النفس البشرية التي تتعلق بالشعارات الخاطئة وتتحوّل إلى الخطأ

أمّا إذا تعمّقنا أكثر وأكثر نجد أن كل ما ظهر في الإعلام السياسي في القرن الماضي والربع الأول من القرن الحالي ليس سوى مجموعة أضاليل كما شرحها؛ غي ديبور في كتابه «مجتمع الاستعراض« La société du spectacle ,  حيث الإنسان فقد شيئا فشيئا إدراكه للفارق بين الخير والشرّ، حيث لم يعد يعيش في الواقع، بل يعيش صورته الذاتية، تلك الصورة التي تصنعها الصحافة والتلفزيون (واليوم السوشيال ميديا) وترسمها له سياسة مصالح الدول الكبرى.

كذلك تحدّث جان بودريار عن محاكاة السرديات الكاذبة حيث يصبح الخبر المزيّف أكثر حقيقة من الحقيقة نفسها.

تصوروا إذن مجتمعات العالم غارقة في الضلال وتشويه الوعي وهي تنتج عقولا تُجرّم البريء وتُبرّء المجرم! في هذا السياق لابدّ لنا من أن نذكر عبرة متداولة

 عن الدودة، التي تركت وصيّة لأولادها تقول لهم فيها:

»الأسود والفهود حيوانات لطيفة جدا بينما الدجاج والبط من اخطر الحيوانات! «

هذه العبرة كفيلة بأن تظهر لنا مدى هشاشة الحقيقة من حيث هي وجهة نظر وكيفية التعامل معها في مفاصل خطرة من حياة الشعوب وثمة مقولة أيضا تنسب إلى ونستون تشرشل يقول فيها:

«تعرف الحيوانات كيف تختار قادتها لكن البشر يختارون الذي يتكلم كثيرا ولا ينتج إلا القليل».

وفي هذه العبرة تعرية لحقيقة مهمّة أن الناس (على العموم وليس حصرا) في مجال السياسة، وحتى في مجالات، أخرى يتبعون نُظما هشّة حيث تسود قلّة الخبرة  والجهل المطبق.

في كتاب فنّ اللامبالاة يثير المؤلّف مارك مانسون قضيّة التضليل الجماهيري وتحويل الانتباه عن الحقيقة الأساسية، فيعطي مثل أستاذ المدرسة وقاضي المحكمة، على الشكل التالي:

عندما يرسب التلميذ في الامتحانات تتّجه كلّ الأنظار نحو أستاذ المدرسة، ويصبح هو المتّهم المباشر ومسبب الرسوب علما أنّه قام بواجبه ودرّس المادّة بخبرة وتفان وبذل جهداً جباراً، ولكن اعتادت الجماهير على اختيار كبش محرقة لكل كارثة، يسقطون عليه كل المسؤوليات والغرائز المكبوتة المتراكمة.

كذلك عندما يرتكب القاتل جريمة قتل بشعة، تتّجه الأنظار إلى القاضي الذي سوف يحاكم هذا المرتكب الشقي. هل القاضي هو الذي قام بالجريمة؟ طبعا لا ولكن في عقول الناس الخاضعة للتضليل، يبتعد شخص المجرم عن الصورة الكبرى ويتراجع إلى الخلفيّة، وتركّز الأنظار على القاضي: ماذا سيكون الحكم وما هي درجته ماذا لو أصدر حكما قاسيا فسوف تلقى الملامة على القاضي، وينسى الناس أن المجرم قام بجريمة فظيعة، وإذا كان الحكم مخففا فسوف تثور حفيظة الشعب وينتقدون القضاء ويتهمونه بالتقصير ويتعرّض شخص القاضي للإهانات ويتّهم أنه أساء استعمال صلاحياته وعبث بقدسيّة القضاء و{ألوهيّته} التي لا تمسّ!

ولكن الحقيقة تقول إن القاتل أو المجرم هو من يجب أن يتلقى اللوم ويُحاسب فهو بالأساس من تسبب بكل هذا الألم.

نحن مع الأسف، نعيش في مجتمع ملتوٍ وساقط حيث البريء متّهم والمجرم هو الضحيّة والمعتدي ينال كل الدّعم والمُعتدى عليه يُحمّل وزر كل ما حصل من مصائب.

في منظر سريالي غريب لا يجرؤ أي كاتب روايات خرافة علمية أو روايات رعب الأكثر عنفا أن يصف حدّة رعبه وقسوته، نشاهد عشرات المطلوبين من المجرمين القتلة وتجّار المخدرات يسلّمون أنفسهم إلى الدولة العظيمة ليشملهم قانون العفو الأعظم الذي لو رآه مشرّعو مدرسة الحقوق الرومانية في بيروت التاريخ الجليل، لطلبوا من ألف [بروتوس] من حملة الخناجر والبلطات أن ينهالوا عليهم طعناً  وتقطيعاً، فلا حاجة للقانون ولا للأحكام القانونية في ظلّ حكم شريعة الغاب وعنف ودموية بعض البشر .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *