إن التاريخ لا يمنح شرعية البقاء للكيانات الاصطناعية التي تُزرع خارج السياق الطبيعي لتطور الشعوب والمجتمعات. وحين يقف المتأمل اليوم أمام المشهد الجيوسياسي الراهن، ليرى الحصن الأمريكي يتصدع من داخل بنيته، والإمبراطورية التي طالما وفرت الغطاء السياسي والعسكري للكيان الصهيوني تترنح تحت وطأة الوعي الإنساني العالمي وتآكل شرعيتها الأخلاقية، فإنه لا يشهد صدفة عابرة، بل يرى التجلي الموضوعي لتلك السنن الفلسفية والاجتماعية التي وضع لبناتها الأساسية المفكر القومي الاجتماعي أنطون سعاده منذ عشرينيات القرن الماضي [1].
لم ينظر سعاده إلى ما يُسمى بـ “المشروع اليهودي” والحركة الصهيونية نظرة عاطفية سطحية، ولا بوصفها نزاعاً محلياً عابراً، بل فكّك بنيتها التاريخية والوظيفية، كاشفاً عن الطبيعة المصطنعة لهذا الكيان الذي أُقيم ليكون أداة استعمارية في قلب المشرق العربي [2]. وحين نتقاطع اليوم مع قراءات تحليلية معاصرة رصينة، “، تتجلى بوضوح تام وحدة الصراع واستمرارية الخيط الناظم بين بطلان المشروع الصهيوني جذرياً، وبين حتمية تداعيه مع تراجع الرعاية الإمبريالية [3]. إننا أمام مرحلة فاصلة تتطلب منا قراءة رصينة وموضوعية تفكك أوهام الغاصبين وتسلط الضوء على مآلات المشاريع الاستعمارية.
أولاً: بطلان الأسطورة الاصطناعية وتفكيك أوهام “العنصر” و”الأمة المزعومة”
فصل أنطون سعاده في مقالته التأسيسية المنشورة في مجلة “سان باولو” بتاريخ الأول من فبراير عام 1925 تحت عنوان «القضية الوطنية: الصهيونية وامتدادها»، لمفهوم الأمة وطبيعة تكوينها بدقة علمية واجتماعية صارمة، مؤكداً أن الأمم الحية لا تقوم على الروابط الدينية المجردة ولا على العصبيات العرقية الوهمية، بل هي ثمرة التفاعل الحيّ بين شعب ومجتمع وبيئة وتاريخ ومصالح مادية مشتركة على أرض محددة [4]. بناءً على ذلك، برهن سعاده على أن الأمة اليهودية كانت في حقيقتها تاريخياً “أمة بائدة”، رغماً عن كل محاولات زعماء الحركة الصهيونية ستر هذه الحقيقة بالقول إن اليهود أمة متفرقة لا ينقصها إلا التجمع في بقعة جغرافية واحدة [5].
إن تشتت الجماعات اليهودية عبر أجيال طويلة، وانحدارهم من بيئات وثقافات متباينة، جعل من المتعذر احتفاظهم بعنصر نقي خالص، فضلاً عن تشربهم لثقافات وعقائد الشعوب التي عاشوا بينها، مما جعلهم أشتاتاً لا يجمعهم جامع سياسي أو اجتماعي متجانس [6].
من هنا، فإن التشبث بالعصبيات الفارغة والادعاءات الصهيونية لم يكن سوى محاولة لتجاوز السنن الطبيعية لتطور المجتمعات. وحين حضر سعاده محاضرة الزعيم الصهيوني الدكتور موسنسون في قاعات “ترمينس” ببرازيليا، أدرك أن الباعث الأساسي للصهيونية يفتقر إلى المرتكزات الطبيعية، محذراً من مغبة هذه المغامرة التي لا تجلب سوى التأزم المستمر، لأن الأمة بلا بلاد تمارس فيها حياتها السياسية والاجتماعية الحرة هي مفهوم غير قابل للتحقق موضوعياً [8].
ثانياً: الوظيفة الإمبريالية للكيان: من وعد بلفور إلى التبعية للولايات المتحدة
لم تكن الصهيونية حركة تحرر قومي، بل نشأت في كنف الدوائر الاستعمارية لتشكل قاعدة وظيفية متقدمة تخدم مصالح القوى الكبرى في المشرق العربي. لقد أدرك الفكر القومي الاجتماعي مبكراً أن وعد بلفور لم يكن سوى خطوة استعمارية لتقويض وحدة المنطقة وإيجاد جسم غريب يعيق أي تطلع نهضوي شامل [9].
إن الكيانات التي تُقام على حساب حقوق الشعوب وتحتل أرضاً محورية بمثل مركزية فلسطين، تعتمد في بقائها على الدعم الخارجي المستمر، مما يجعلها عرضة للتصدع كلما اهتزت ركائز القوى الإمبريالية الداعمة لها.
من الانتداب البريطاني إلى الارتباط العضوي بالسياسة الأمريكية، ظل هذا الكيان يتحرك بوصفه أداة حماية للمصالح الغربية. غير أن هذا الاعتماد المطلق يحمل في طياته مخاطر هيكلية؛ فعندما يرتبط مصير كيان ما برعاية إمبراطورية خارجية، فإن أي تحول تدريجي في مزاج تلك الإمبراطورية أو تراجع نفوذها ينعكس مباشرة على استقرار وشرعية الكيان الوظيفي [10].
ثالثاً: المأزق الوجودي والانفصام المجتمعي: نقد العزلة والصدام التاريخي
في تحليله السوسيولوجي، تناول أنطون سعاده الأبعاد العميقة للمأزق المجتمعي لليهود في الشتات وفي المشروع الصهيوني على حد سواء. (11)]. وحتى مع ظهور شخصيات بارزة ونوابغ في مجالات الفكر والعلوم، فإن ذلك لم يغير من الطبيعة المنعزلة لتلك الجماعات التي بقيت بعيدة عن التفاعل الاندماجي الشامل [12].
هذا الخلل في طبيعة العلاقة مع المحيط البشري أنتج إشكاليات تاريخية متكررة. وقد استشهد سعاده بمواقف شخصيات يهودية بارزة مثل هنري مورغنثو، سفير الولايات المتحدة السابق في تركيا، والذي حارب الفكرة الصهيونية من منظور إنساني وعقلي رافض لتضليلها التاريخي (13)وأن العودة المزعومة لصهيون التاريخية بعد قرون طويلة تمثل قفزة غير واقعية ومخاطرة جسيمة
لهذا كان قول انطون سعاده: “يوجد فريق من اليهود الراقين يفهم العلل وأسبابها ويعرف عقم دعوة الصهيونيين ويحاربها، من أجل اليهود كما من أجل الإنسانية جمعاء14).
إن الإصرار الصهيوني المعاصر على استنساخ سياسات الإزاحة والسيطرة القسرية في فلسطين يمثل تجسيداً لهذا الانفصام عن واقع العصر. وما الأزمات المستمرة والصدام الدائم مع شعوب المنطقة إلا نتيجة حتمية لمحاولة فرض كيان خارج شروط الاندماج الطبيعي، مستنداً حصراً إلى القوة العسكرية التي تستهلك رصيده الأخلاقي بمرور الوقت [15].
الهوامش والمراجع
- أنطون سعاده، المحاضرات العشر: دراسة تحليلية في فلسفة المجتمع نشوء الأمم، دار الفكر، بيروت، ص. 45-60.
- أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد الأول (1921-1934)، مقال «القضية الوطنية: الصهيونية وامتدادها»، مجلة سان باولو، 1/2/1925، ص. 112-120.
- رفعت إبراهيم، “Israel is losing America – and endangering Jews”، مقال تحليلي منشور على منصة Pearls and Irritations، 5 أغسطس/آب 2026.
- أنطون سعاده، نشوء الأمم، الطبعة الأولى، دار الجيل، بيروت، ص. 12-30.
- المصدر السابق، فصل «طبيعة الجماعات الدينية والعصبيات»، ص. 85-95.
- دراسة تحليلية مقارنة لتداعيات توظيف الدين في الصراعات السياسية الحديثة، مجلة الدراسات القومية، العدد الخاص بالفكر السياسي المعاصر، ص. 112.
- أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد الأول، مرجع سابق، ص. 115 (إشارة إلى مقال «هل نحن عرب؟» للأستاذ حبيب إبراهيم).
- المصدر نفسه، ص. 118-121 (تفاصيل محاضرة الدكتور موسنسون في برازيليا).
- أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد المتعلق بالمسألة القومية والوضع في فلسطين، دار سعاده للنشر، ص. 140-155.
- رفعت إبراهيم، مرجع سابق (تحليل تداعيات الاعتماد المطلق على الدعم الجيوسياسي الخارجي والتوظيف الإمبريالي).
- أنطون سعاده، المجتمع ومسألة العصبيات، دار المشرق العربي، بيروت، ص. 77.
- أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد الأول، مرجع سابق، ص. 122 (نقد دور النوابغ اليهود ووضع الهيئة الاجتماعية).
- المصدر نفسه، ص. 125 (الإشارة إلى السفير الأمريكي السابق في تركيا هنري مورغنثو).
- هنري مورغنثو، شهادات وتحليلات منشورة حول بطلان الحركة الصهيونية، مرصودة في أدبيات الفكر القومي الاجتماعي، ص. 130.
- تقارير توثيقية تحليلية في مآلات الكيانات الوظيفية وسقوط شرعيتها الدولية، دار المشرق العربي، ص. 305.
د.نبيلة غصن ـ حلقة أولى

