«الأقليّات» بين نظام «الملّة» ومفهوم المواطنة

هل يمكن لسياسات الأقليات أن تكون بمثابة وسيلة لسياسات تحويلية أعمّ، تدعم ثقافة أوسع للديمقراطية وحقوق الإنسان، وتتحدّى النزعات السياسية القديمة الاستبدادية أو الزبائنية أو الأبوية؟

من السابق لأوانه إصدار أحكام قاطعة، ففي جميع أنحاء العالم العربي وخصوصًا في الهلال الخصيب، لا تزال الأقليات «مواطنين مميزين» يُنظر إلى تعبئتهم السياسية بعدم ثقة إذا لم يكن قمعًا صريحًا. في الواقع، لا تزال قضية الأقليات إشكالية قائمة، وموضوعٌ مُحَرَّمٌ في العديد من البلدان.

هذا ما يجيد فعله الحاكم بمعاونة حاشيته، مدفوعًا بالأطماع والمصالح التي تبتغي أن يظلّ الناس في قاع الجهل والتخدير العقلي وتغييب الوعي وفقدان الأمل بالأفضل والأرقى. هذا ما تفعله السلطة ماضيًا وحاضرًا، حين تنكّس رأسها صوب الأرض (على طريقة النعامة)، كي لا ترى ما يحصل من تقدّم وتطور وتحضّر وتنوير في هذا العالم.

هكذا سيبقى الحاكم والسلطة ما دامت الشعوب تتصارع فيما بينها قبائل وطوائف ومذاهب وأعراقًا، في وقت يشكو فيه الأبناء والشباب من جوع حضاري لا ينفع معه سوى تغيير بنيوي شامل كامل لمفاصل أطراف هذه الأمة كافّة.

وما لم تنهض دول المشرق العربي وتقوم بتحطيم نظرية الارتباط الشرطي لهدم جدار الفزع، والانطلاق تجاه بناء دولة القانون والمؤسسات والمواطنة، فإنّ الحكام سيظلّون يقرعون الجرس لنا دون تقديم الطعام.

إنّ قبول التعددية في المجتمع الواحد (وحدة التجانس والتنوّع) ستشكل أحد ركائز هذه الدولة الديمقراطية في مبدأ المساواة الذي يعني في صيغته الموضوعية الحقّ في الاختلاف. يجب معاملة الناس على قدم المساواة، ولكن هل هذا يعني أنه من الضروري أحيانًا معاملتهم بشكل مختلف لأنّ لديهم متطلبات مختلفة؟ إنّ ضمان مصالح الفئات المختلفة غير الممثّلة، مثل مصالح الأقليات التي تتمتّع بالحقّ في التعبير عن هويتها السردية الخاصة- المتعلّقة باللغة، والثقافة، والدين، والتمثيل السياسي- حتى لو كانت تختلف عن رواية الأغلبية، تضمنه حقوق المواطنة في الدولة الديمقراطية التعددية التي تحترم التنوّع بين مواطنيها. وهذا لا يعني فقط الحقوق السلبية، التي تستلزم درء التدخل من جانب السلطة العامة، بل وأيضًا الحاجة إلى فتح الباب أمام الإجراءات الإيجابية من جانب الدولة، استنادًا إلى التمييز الإيجابيّ بين المجتمعات.

المواطنة في صيغتها الذهبيّة

في ظلّ التحولات العميقة التي يشهدها العالم المعاصر، تبرز إشكالية المواطنة والهوية والتنوّع الثقافي بوصفها إحدى القضايا المركزية التي تتقاطع فيها الأبعاد السياسية والاجتماعية والفكرية، وتشكّل محورًا أساسيًّا للنقاش في الدراسات الحديثة حول مستقبل المجتمعات والدول.

دولة المواطنة الحديثة تقوم على القانون والحقوق والحريات، وتتأسّس على مبدأ المواطنة، لا على الانتماء الديني أو الطائفي أو العرقي. لا تسأل الفرد عن إيمانه، ولا تحاكم ضميره، ولا تمنح امتيازًا لانتمائه الديني، بل تقوم على عقد اجتماعيّ تصونه القوانين، وتضبطه المؤسسات، وتكفل فيه الحرية والعدالة والمساواة لجميع المواطنين، وتكفل الحقّ لكلّ مواطن في أن يكون مختلفًا. لا رعيّة فيها، بل مواطنون أحرار، متساوون في الكرامة والحقوق والحريات والمسؤوليات، كلّ على وفق إمكاناته ووظيفته. لا يُساءَل أحد عن دينه، أو معتقده، أو مذهبه أو أصله العرقيّ (راجع د. عبد الجبار الرفاعي في «المواطنة شراكة متكافئة» ـ صحيفة المثقف 23/ 2/ 2026)

أمام هذا الوضوح لم تعد المواطنة مفهومًا قانونيًّا محضًا يقتصر على تحديد علاقة الفرد بالدولة من خلال الحقوق والواجبات، بل غدت إطارًا شاملاً يتداخل فيه البعد القانوني مع البعد الأخلاقي والقيمي، ليعكس طبيعة الانتماء إلى الجماعة الوطنية ومدى قدرة الفرد على المشاركة الفاعلة في الحياة العامة.

وكان الاهتمام بموضوع الهُويَّة والمواطنة قد بدأ في علم السياسة وعلم الاجتماع والفلسفة بصورة مُرّكَزة بعد انهيار الأنظمة الشمولية (هنتنغتون يؤكد في كتابه من نحن؟ أن نهاية الحرب الباردة والشيوعية السوفياتية كنظام اقتصادي سياسي قابل للنمو كان من الأسباب المهمة لبروز مسألة الاهتمام بالهُويَّة وأزمتها)، حيث انفجرت الهُويَّات الفرعية المهدِّدة للهُويَّة العامة المشتركة ولمفهوم المواطنة، وبالتالي شكّلت خطرًا جدّيًّا لكيان الدولة، لأنها عبّرت عن نفسها في المطالبة بالاعتراف السياسي، كما يؤكد هنتنغتون. (راجع د. عبد الحسين شعبان في «الهويّة والمواطنة: البدائل الملتبسة والحداثة المتعثّرة» ـ مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2020)

يجب الإقرار بأنّ الهویة والمواطنة مفهومان تاريخيان بأبعاد سيكولوجية سوسیولوجیة ودلالة ثقافية، ورؤية وجدانية، كما أنّهما من المفاهيم التي كانت وليدة صراع خاضه الإنسان مع ذاته ومع الآخر عبر العصور، وأن مراحل إنجازهما كانت بصورة تدريجية متماشية مع المتغيرات الخارجية.

ثمة هُويَّة سورية لها ملامحها تمثّل قاسمًا مشتركًا للفسيفساء السورية وللموزاييك السوري، الذي يمكن أن يتعزّز ويتعمّق بالمواطنة الكاملة والمساواة التامّة واحترام حقوق الإنسان، وجعل الولاء الأول والأخير للوطن والشعب، عبورًا على الطوائف والأديان والإثنيات، مع تأكيد احترامها وخصوصيّاتها، كهُويَّات فرعية، في إطار الهُويَّة الوطنية.

وهكذا يمكننا رؤية أن الهوية ليست معطًى ثابتًا أو جوهرًا مغلقًا، بل هي سيرورة تاريخية واجتماعية تتشكل عبر التفاعل المستمر بين الفرد والجماعة، وبين المحلي والعالمي، وبين الماضي والحاضر، وتظلّ عرضة لإعادة التفاوض وإعادة التشكيل في مواجهة تحديات العولمة والهجرة وتعدد المرجعيات الثقافية والدينية.

بالمقابل، تمثَل المواطنة الصفة القانونية والسياسية التي تحدد العلاقة بين الفرد والدولة. حيث تمنح المواطنة حقوقًا وواجبات تشمل حق التصويت، والاستفادة من الخدمات العامة، والامتثال للقوانين الوطنية. قد ينشأ تعارض بين الهوية والمواطنة، خصوصًا عندما تتناقض القيم الثقافية أو الدينية مع قوانين الدولة وسياساتها.

فقد تواجه مجموعة عرقية أو دينية صعوبات عندما تتعارض ممارساتها أو معتقداتها مع قوانين الدولة. يمكن أن يظهر هذا التعارض في مجالات متعددة مثل التعليم، العمل، أو الشؤون القانونية، ممّا قد يؤدّي إلى شعور بالتمييز أو الاستبعاد إذا كانت سياسات الدولة غير متوافقة مع تقاليد ومعتقدات هذه المجموعات.

ويمكن أن تصبح الهوية أيضًا مهددة للمواطنة، عندما يتسم التفاعل بين الجماعات المختلفة في الدولة بعدم التسامح أو الفهم، وخصوصًا إذا كانت هناك سياسات تمييزية تؤدّي إلى تهميش أو استبعاد مجموعات معينة. ما يضعف الشعور بالانتماء، ويهدد الاستقرار الاجتماعي.

التفاعل بين الهوية والمواطنة هو مسألة معقّدة، تتطلّب تحقيق توازن بين احترام الخصوصيات الثقافية والقومية والدينية، وضمان حقوق جميع الأفراد كمواطنين. الأمر الذي يتطلب تطوير سياسات شاملة، تعزّز الاعتراف والتسامح، وتدعم الانتماء الوطنيّ للجميع، بغضّ النظر عن اختلافاتهم الثقافية أو العرقية أو الدينية.

ليست الهوية لغة ولا دينًا ولا تاريخًا وموروثًا، ولا حكمًا ومؤسسات اقتصادية وثقافية فقط، إنما هي الإنسان والأرض، وكلّ ما سبق ذلك هي عوامل ناتجة من مجرى تفاعل الإنسان مع الأرض.. ونستطيع القول أيضًا إنّه لا اللغة (أو اللغات) ولا الدين ولا التاريخ أشياء جامدة لا تتحرّك، إنّما هي قوى مادية وروحية، وفلسفة تخضع لطبيعة حركة المجتمع وأفكاره التنويرية.

هذه الرؤية العميقة لمسألة الهُويَّة الوطنية في سوريا تستوجب الانتباه لها في الخطوات الإجرائية للسلطات السورية لبناء الإحساس بتلك الهُويَّة وترسيخ القيم الثقافية المشتركة للسوريين، قبل أن تصبح مسألة الهُويَّة جحيمًا ومأزقًا اجتماعيًّا ووطنيًّا خطيرًا.

إنّ ما يبرز في دراسات ما بعد الحداثة وما قدّمته من إسهامات هو اهتمامها بما يسمّى بالأصوات «المهمّشة» «الصامتة» أو «المنسية»؛ وهي الأصوات التي أغفلتها أو تجاهلتها الاتجاهات النظرية التقليدية، وبالتالي تكون قد تحدّت تلك الاتجاهات النظرية التفسيرية، وهو التحدّي الذي تَدعّم ببروز حركات اجتماعية وسیاسية عديدة تطالب بإدراج مسألة الهوية ضمن اهتمامات الدارسين في مجال العلاقات الدولية، وقد شكل تنامي الأصوات الهويتيّة في كثير من المناطق خارج  دول الاتحاد السوفياتي  مثل: الأقاليم الكردية في كل من تركيا والعراق، وهي كلها نماذج تعكس بوادر النجاح الأولى للإطار المفهوماتي- النظري لما بعد الحداثة..

ورغم سعي ما بعد الحداثة لتفكيك وإعادة بناء حقل العلاقات الدولية وفقًا لما يقتضيه الاختلاف والتعدّد النظريّ، فإنّها لم تنجح في ذلك، بل ولقيت انتقادات شديدة من طرف الاتّجاه المهيمن، ويحاجج «ستيف سميث» في هذا الصدد بأنها ركّزت على الجوانب النظرية وأهملت العالم الحقيقيّ. راجع (نظرية ما بعد الحداثة في العلاقات الدولية ـ الموسوعة السياسية  2021-05-08)

نظام مارديني ـ الحلقة الثالثة والأخيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *