غزّة ما بين ذاكرتين

الذاكرة الصهيونية المخضّبة بالدم الفلسطيني تطمع بالسيطرة والتوسّع والذاكرة الفلسطينية المخضّبة بالآلام والقهر تحلم بالتحرّر والانعتاق.

وما بين الإثنين تتراكم الجثث على أرض الآباء والأجداد.

الاعتقاد بأنّ ما تشهده غزّة هذه الأيّام قد بدأ في السابع من شهر تشرين الأوّل المنصرم، هو إغفال عفوي أو متعمد لتاريخ الصراع في المنطقة، أو بالأحرى لتاريخ المشروع الصهيوني، الذي رسمت بداياته أسفار الكتب الدينية وبروتوكولات حكماء صهيون ومشروع تيودور هرتزل عام 1896 في كتابه: “الدولة اليهودية” وما تلا ذلك من اتفاقيات ” سايكس/بيكو عام 1916 وصولاً إلى وعد بلفور في الثاني من شهر تشرين الثاني عام1917. 

هذا التسلسل التاريخي شكّل المقدمة الضرورية لنكبة العام 1948، وما تلاها من حروب ونكسات، حيث توّجت الحركة الصهيونية مدخلاً استراتيجياً لإنجازاتها المتمثّلة في القتل والتهجير والاستيطان والتوسّع وبناء المستعمرات والذي رافق تأسيسها ولا يزال حتى تاريخ كتابة هذه السطور.

ثمانية وسبعون عاماً … رحلة من العذاب والقهر والعهر ارتكبتها المؤسسة الصهيونية عن سابق تصوّرٍ وتصميم، حيث تحوّلت فلسطين تحت الاحتلال والحصار إلى مختبر حيّ للأسلحة والتنكيل والاعتقالات والسجون إضافةً إلى التدمير المنهجي لأدنى مقوِّمات الحياة في المأكل والمشرب وحريّات التنقل والعمل والدراسة، حيث غدت الحياة جحيماً لا يُطاق.

يُضاف إلى ذلك المشهد المؤلم، قطعان المستوطنين الذين يمارسون كل أشكال الإخلاء والتهجير والقمع اليومي المنظّم تحت حماية المؤسسات السياسية العسكرية وعلى إيقاع مخططاتها ومشاريعها العدوانية والتوسعية.

هذا المشهد باختصار، شكّل الخلفية التاريخية لانتفاضة السابع من تشرين الأوّل والتي تشكّلُ صرخةً ضد الاحتلال وقمعه، وظلمه وحصاره ومشاريعه.

صرخةً لاستنهاض الداخل الفلسطيني أوّلاً

وصرخةً لتوعية المحيط القومي على مخاطر ما يخبّئه المشروع الصهيوني لمستقبل هذا المحيط.

وصرخةً للمحيط العربي المنخرط في عمليات التطبيع وصفقة القرن وتبادل العلاقات الديبلوماسية وفتح السفارات وحفلات الرقص والاحتفالات في الإمارات وسواها.

وصرخةً أمام المجتمع الدولي بمؤسساته وحكوماته وأمام الضمير العالمي الذي يعاني من سبات عميق وجفافٍ في عروقه وشرايينه. 

ان المقاومة الفلسطينية في غزّة تدرك جيّداً موازين القوى وشروطها، وقواعد الاشتباك ومتطلباتها، كما أنّها تدرك جيّداً أنّ حجم المواجهة مع كيان الاغتصاب والقتل والتشريد له متطلباته وموازينه الوطنية والقومية.

ولكن كان لا بد من هذه العملية ” الصرخة ” التي أرادت أن تعيد الاعتبار لأصحاب القضية وحقوقهم المشروعة في الدفاع عن أرضهم وتاريخهم، ومقدساتهم، ومستقبل أطفالهم، وأجيالهم.

وها هي غزّة تكتب بدماء أبطالها ونسائها وأطفالها صفحةً جديدة من صفحات العزّ والكرامة الوطنية والقومية، وسيكتب التاريخ أنّها ألهمت بتضحياتها التي تفوق العقل والمنطق، صفحات مجيدة وخالدة ستبقى ذخراً لأجيالً لم تولد بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *