كلهم مؤمنون بأنطون سعاده… فمن أفسد تجربته إذن؟

من أطرف المفارقات أن تسمع بعض السوريين القوميين الاجتماعيين يتحدثون عن أنطون سعاده كما لو أنهم حفظوا فكره حرفاً وروحاً «نحن أبناء سعاده» «نحن مؤمنون بسعاده» «فكر سعاده حي فينا» ثم تنظر إلى الممارسة فتبحث عن سعاده بينهم فلا تجد إلا صورته معلقة على الجدار وبعض الاقتباسات المحفوظة وكثيراً من الخطب.

إن كانوا فعلاً مؤمنين بفكر سعاده فلماذا تبدو المسافة بين ما يقولونه وما يفعلونه وكأنها آلاف السنين؟ المشكلة هنا ليست في مقدار الحب المعلن لسعاده بل في تحويله إلى طقس سياسي فبدلاً من مساءلة النفس والفكر وتجديده واختباره أمام الواقع ،يصبح الإيمان به شهادة حسن سلوك يكفي أن تقول «أنا قومي اجتماعي» حتى تتخيل أنك أصبحت تلقائياً صاحب مشروع نهضوي وكأن النهضة تبدأ بالتصريح عنها! فالسوريون القوميون الاجتماعيون الذين يريدون تغيير العالم قبل أن يغيّروا أنفسهم ،هؤلاء لديهم  موهبة سياسية تستحق الدراسة ،يستطيع الواحد منهم أن يحدثك ساعات عن أنطون سعاده وعن النهضة والعقل والمجتمع والأمة حتى تظن أن الرجل خرج للتو من محاضرة لسعاده نفسه ثم تبدأ الممارسة وهنا تنتهي المحاضرة ويبدأ السيرك ويقول لك: «أنا مؤمن بسعاده» جميل لكن عندما تبحث عن هذا الإيمان في السلوك الحياتي الاجتماعي وفي قبول النقد وفي التعامل مع الظروف والواقع وفي العلاقات داخل الجماعة قد تحتاج إلى بعثة تنقيب أثرية للعثور على ما  يتحدثون عنه وبين الممارسة التي يقدمونها

فأسهل أنواع النقد هو ذلك الذي يحّمل كل الخراب للآخرين ولهذا نسمع باستمرار أن المشكلة في «التنظيمات الحزبية» أو «القيادات» أو «الانقسامات» أو «الوحدة التي لم تتحقق»

حسناً لنفترض أن التنظيم فاسد من أين جاء أعضاء هذا التنظيم؟

هل هبطوا بالمظلات من كوكب آخر؟ التنظيم السياسي لا يعيش خارج المجتمع، بل يحمل داخله أمراض البيئة التي أنتجته والمحسوبيات الشخصنة، الولاءات الصغيرة تقديس الزعامات، الخوف من النقد ازدواجية الخطاب والممارسة والصراع على المواقع، والطائفية والعرقية الدفينة لذلك يصبح مضحكاً أن يلعن الفرد فساد التنظيم صباحاً ثم يمارس العقلية نفسها مساءً وبعدها يعلن أن الحل هو «وحدة الحزب» سعاده حاضر دائماً… إلا عندما يبدأ العمل وصورة سعاده موجودة والاقتباس موجود والتحية موجودة

أين السؤال البسيط لماذا لم تتحول كل هذه الشعارات إلى نموذج حياتي وسياسي واجتماعي قادر على إقناع المجتمع؟ هنا فجأة تبدأ الأعذار. المشكلة في القيادة

وفي الانشقاقات وأيضا في التنظيم وفي هذا الجناح او ذاك الجناح والمشكلة في الذين لم يحققوا «الوحدة»وحدة ماذا؟

إذا جمعت عشر مؤسسات تحمل الأمراض الاجتماعية والسياسية نفسها فلن تحصل بالضرورة على نهضة قد تحصل فقط على مؤسسة أكبر تستطيع ممارسة الأخطاء بكفاءة أعلى “وحدوا الحزب”… وستنزل النهضة من السماء!

المقر الحزبي الواحد لا يصنع مجتمعاً جديدا والبطاقة الحزبية الجديدة لا تصنع إنساناً جديداً

 الوحدة قد تعني فقط أن الجميع أصبحوا يتشاجرون تحت سقف واحد ثم يسمون ذلك “إنجازاً تاريخياً”

لا يمكن بناء نظام سوري قومي جديد بعقل اجتماعي قديم ولا تستطيع أن تطالب بدولة المؤسسات بينما علاقاتك تقوم على المظهر والأشخاص ولا معنى لمحاربة الزعيم السياسي الطائفي والعرقي في المجتمع إذا كنت تبحث في جماعتك ان تكون زعيم ضمن جماعتك ولا تستطيع المطالبة بالنقد العلمي بينما تعتبر كل نقد لحياتك الشخصية والعائلية ولفكرك أو تاريخك خيانة هنا تكمن الأزمة الأعمق نريد تغيير أزمة التنظيم كما يقولون، ولكننا لا نريد تغيير أنفسنا ولا العلاقات التي تعيد إنتاجه

ومن أكثر الحجج إثارة للسخرية أن تسمع من يقول «التنظيمات فاسدة» ومن الذي صنع التنظيمات؟ هل جاءت القيادات من المريخ؟ هل الأعضاء مستوردون من كوكب آخر؟

التنظيم ليس وحشاً مستقلاً يعيش في الغابة التنظيم مصنوع من شريعة التعاقد مع الزعيم انطون سعاده كما يجب ان يكون. إذا كان الفرد يمارس المحسوبية في حياته فسيحملها إلى الحزب وإذا كان يقدس النفس فسيبحث داخل الحزب عن وضع نفسه للتقديس وإذا كان يخاف من النقد فسيعتبر المعترض عدواً

وإذا كان يعتبر الولاء أهم من الكفاءة فسوف يبني مؤسسة تكافئ المطيع أكثر مما تكافئ القادر ثم بعد عشرين عاماً يقف أمام المؤسسة التي صنعها ويقول بغضب «اللعنة على فساد التنظيم!»

هذه ليست معارضة للوضع القومي. هذه محاولة لتغيير الأشخاص مع الاحتفاظ بالمسرح والديكور والنص نفسه نخرج ممثلاً وندخل ممثلاً آخر ثم نعلن بدأ العصر الجديد!

وعندما تفشل التجربة الرفقائية تبدأ لعبة توزيع المسؤوليات.

التنظيم مذنب، القيادة مذنبة الانشقاق مذنب، الظروف مذنبة المؤامرات مذنبة.

أما الثقافة السياسية والاجتماعية التي يحملها الأعضاء أنفسهم فلا أحد يريد وضعها على طاولة التشريح وهكذا يصبح الفكر دائماً عظيماً والمؤمنون به دائماً مخلصين والفشل دائماً من صنع شيء آخر وهذه وصفة ممتازة لضمان استمرار الفشل إلى الأبد لأن أول شرط للإصلاح هو الاعتراف بأن المشكلة قد تكون فينا أيضاً في طريقة تفكيرنا وعلاقاتنا، وفهمنا للسلطة والحزب والمجتمع.

لا نهضة بتغيير اللافتة فالمشكلة ليست أن السوريين القوميين الاجتماعيين بحاجة إلى حزب موحد فقط ولا إلى قيادة جديدة فقط ولا إلى مؤتمر جديد ينتهي بصورة جماعية وبيان تاريخي جديد المشكلة أعمق إذا بقيت المنظومة الاجتماعية السياسية الرفقائية نفسها فإنها ستعيد إنتاج فسادها، لذلك يجب إعادة تنقية الصفوف وعقدنة الرفقاء واعادة النظر بإعادة البناء النفسية والعقلية للرفقاء وبعدها يمكنكم توحيد التنظيمات غداً

السؤال الحقيقي ليس: «هل أنتم مؤمنون بسعاده؟ بل ماذا فعلتم بالفكر الذي تقولون إنكم تؤمنون به؟ لأن أسهل شيء في السياسة أن تعشق مفكراً مات

أما الأصعب فهو أن تمتلك الشجاعة كما ملكها انطون سعاده وتطبيقها ونقد نفسك قبل أن تجعل الاخر كله مسؤولاً عن فشلك

«نحن مؤمنون بسعاده» ربما المشكلة تبدأ من هذه العبارة نفسها.

الفكر لا يحتاج إلى مؤمنين، بل إلى مفكرين وكتاب وشعراء وفنانين وقارئين وناقدين ومجددين والمفكر لا يحتاج إلى مريدين يكررون كلماته، بل إلى أجيال تستطيع أن تقول له ولو بعد موته أصبت هنا وأخطأت هناك وهذا المفهوم لم يعد كافياً وهذه الفكرة تحتاج إلى إعادة بناء

هناك ثقافة اجتماعية وسياسية تنتج السلطة وتبررها وتعيد إنتاجها ولهذا فإن من يريد تغيير النظام من دون تغيير هذه المنظومة يشبه رجلاً يقطع أغصان الشجرة كل عام ثم يتساءل باستغراب:

لماذا عادت الأغصان؟

لأن الجذور ما زالت هناك يا رفيق. قبل أن تنقذوا الأمة… أنقذوا الفكرة من أنفسكم

أزمة السوريين القوميين الاجتماعيين ليست فقط أزمة انقسامات وتنظيم وقيادات فإنها أيضاً أزمة علاقة بالفكر نفسه.

وهل سعاده أداة لفهم الواقع؟ أم أصبح الواقع مجرد أداة لإثبات أن سعاده كان محقاً دائماً؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين الفكر الحي والعقيدة المغلقة.

الفكر الحي يتغير ويتطور ويصحح نفسه أما الفكر الذي لا يسمح لأتباعه إلا بتأكيد صحة مؤسسه فقد توقف عن التفكير وتحول إلى تكرار.

 لذلك ربما لا يحتاج القوميون الاجتماعيون إلى قسم جديد ولا إلى تنظيم جديد بقدر حاجتهم إلى شيء أكثر إزعاجاً

الى مرآة يسألون أمامها هل نمارس فعلاً ما نتحدث عنه؟

هل نمارس الصدق والقدوة والاقتداء والإخلاص فعلاً كما انطون سعاده؟

هل نقبل النقد كما نطالب الآخرين بقبوله؟

وهل نريد تغيير المجتمع حقاً أم نريد فقط أن يصبح أصحاب السلطة من جماعتنا؟

لا يمكن تغيير الوضع من دون تغيير المنظومة الاجتماعية والسياسية التي تنتجه فمن لا يستطيع ممارسة الثورة على فساده النفسي الداخلي يصعب أن يقنع الآخرين بأنه قادر على قيادة ثورة على فساد مجتمع كامل

فالمشكلة في النهاية ليست أن سعاده غائب عن الجدران

المشكلة أنه حاضر في الصور أكثر مما هو حاضر في الممارسة والنفس الروحية

عبد الاله الهويدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *