لِنَكُفَّ عن تَغيب المؤلِّف عن أدبنا الشّعبيّ، ولنقرَّ أنّ عصر التّدوين حفظ له مُلكية فكر شعبيّ رواه، فكان اسمه مُخلَّدًا بين سطور قوم يُحاكي منطقهم وعاداتهم الّتي هي جوهر حياته؛ فبطل الحكاية الشّعبيّة يحيا في كلّ عصر مُتنفسًا «أُكسجين» المنظومة الاجتماعيّة الحاكمة، والموجّهة للسلوك، ليكون تارة المُحاكي لمنطق القوم، وطورًا الموجّه لهم نحو النّهضة الاجتماعيّة الّتي لا سبيل لها من غير الحضن الأدبيّ الّذي احتضنه لسان ابن منظور بتعريف دقيق، اشتمل على فكرة التأدّب بكلّ أبعادها الإيديولوجيّة، فما من شيء أوجده العدم، إذ إنّ كلّ شيء خُلق لهدف، وكذلك الخلق الأدبيّ بأجناسه المتنوعة الّتي مثّل فيها الأدب الشّعبيّ الصّورة الأصدق عن حياة العامة والجماعات القوميّة.
وهنا تبدو المفارقة الّتي قد لا يتقبلها البعض في كون الأدب الشّعبيّ هو رافد الفكر القوميّ، لا بل أكثر من ذلك إنّ الأدب الشّعبيّ قوميّ الهوى، اجتماعيّ الحضن، تاريخيّ العراقة، وتشهد على ذلك قصّة «عيد سيّدة صيدنايا» الّتي أرادها المفكّر أنطون سعادة مُتنفسًا أدبيًّا لتقويم وجهة السّلوك الاجتماعيّ، فسخّر لها البطل الشّعبيّ (إبراهيم)، ليُجسد العادات القوميّة، ومنطق الجماعة الّتي خاطبها في سورية، لبث الإصلاح في النّفوس، وهو ما يحاكي غاية أدبنا الشّعبيّ الّذي يختزل منطق البطولة من أجل الإصلاح وليس من أجل الاستعراض، وهذا ما يُمكن قراءته من خلال:
-النَّفَس الأسطوريّ
بدأت الحكاية بنفَس أسطوريّ لناحية مُخاطبة المُتخيّل الجمعيّ عن القداسة، فامتزج الغيب مع الحقيقة؛ ليُعيد من خلاله المؤلِّف تشكيل الوعي تحت غطاء العيد، فقدّم بأسطورة «أم بزاز» الرّحم الفكريّ الّذي يُولِّد التّلاقي، بمحوه الفوارق والحدود، تجديدًا لروح الأرض المُحتضنة لوحدة المصير الإنسانيّ، بوصفه ترياقًا للخلاص الروحيّ، ومرآة للتصالح مع التّاريخيّ والمقدّس، لهزيمة الصّخر بقطرة ماء، يمثّل انتظامها محور الكون والحياة، ومبعث الأمل الّذي يحيا بالصّبر والعزيمة والكفاح والفكر النّهضويّ، وليس بالأجسام الخارقة، ليرتفع «دير صيدنايا» محارةً فوق التّل، مُتحدّيًا طوفان النّسيان، وموضّحًا قيمة الجغرافيا في إثبات القوميّة المُتفاعلة إرثًا حضاريًّا، تبادليًّا، يرفض الانكسار الزّمنيّ، مُنتجًا في مغاور الأرض هويّة لا تموت، لكونها تتماهى مع حركة الطّبيعة، لتحدّد التّبادل والتّفاعل الثّقافيّ الموروث.
-الصّراع بين النّبل والغدر
يتقدّم النّبل ليكون خطًّا بطوليًّا ثابتًا في صورة البطل الشّعبيّ، الّتي أراد لها سعادة (إبراهيم) خَليلًا أمينًا على ملحمته الّتي عَبرت بالبطل الأسطوريّ؛ ليفتدي الجمال بدمه، مُرسخًا فكرة الانتصار والسّمو على الضغينة، على الرّغم من الجرح النّازف الّذي تعدّى به الألم، ليثبت أنّ البطولة تُسقى من كأس الرّوح، ومن دم المُحارب الّذي يكمّل انتصاراته الرّوحية بجرح الجسد، مُهذّبًا روحه لاستقبال تجليّات الجمال الّتي تُلخّص فكرة الصّراع بين النّبل والغدر الّذي مثّله «جرجس»، مصورًا عبثية ترصّد النّقاء، الّتي تنتهي بانتصار المبدأ والقيم والنّفس الكريمة، فتغسل الرّحمة بقدسيتها العِبرة الّتي تنطوي على أنّ في كلّ كهف مُظلم (قطرة عزيمة) تنتظر من يتلقاها بجبين صامد.
-قبول الآخر للعيش بسلام
يتّسع «دير صيدنايا» لنبضات الخَلق الّتي تُذيب الحواجز المُصطنعة في جغرافيا التقسيم تحت لواء العيد الجامع لهم؛ لتردّد الأرواح ترنيمة انصهار الألوان في بوتقة النّور الواحد، فتسكب «أم بزاز» قطراتها فوق جباه الزائرين، مُظهرةً العبرة الأسمى في أنّ الأرض حين تفيض ببركتها لا تميز بين كف وكف، لأنّ السّلام في أن نرى في الآخر امتدادًا لقداسة الذّات. وفضلًا عمّا تقدّم؛ تتماهى الرّموز الأسطوريّة من «أدونيس» و«عشتروت» مع قداسة السّيدة العذراء في فضاء الحكاية، لتُشكّل جسرًا تاريخيًّا، يعبر فوقه المحمديون والمسيحيون نحو مرفأ الوحدة القوميّة، فكأن الذّاكرة الجمعيّة تأبى إلّا أن تجعل من التّسامح لغةً عليا تُخرس أصوات الخصومة، وتُعلي من شأن الهوية الإنسانيّة الجامعة.
-الفلكلور الشّعبيّ
تتشابك سواعد السّوريين محوّلةً ضجيج الاختلاف إلى سيمفونيّة تآخٍ وتلاقٍ، تُعقد برباط البهجة المُشتركة الّتي كان الفلكلور الشّعبيّ لناحية اللّباس عمادها الدّال على الإرث الثّقافيّ والحضاريّ المُرتسم في رحاب صيدنايا كأبجدية بصريّة، تطرّز الجغرافيا الحيّة للبلاد بتضاريسها وألوانها، لتبدو كلّ غرزة حكاية صمود تروي كيف صبغ الشّعب أيامه بزهو فكره الّذي يحفظ ملامح الأمّة، ويربط الفرد بجذوره، لتحشد اللّوحة عبرة مفادها أنّ عظمة الشّعوب تُقاس بقدرتها على ارتداء تاريخها بفخر أمام وجه الزّمن.
-النّصح والتّوجيه عن طريق المُقابلة
وضعت «نجلا» مُرؤة الفارس الغريب «إبراهيم» في كفة، وعناد الجاهل «جرجس» في كفة أخرى؛ لتُقابل بين نُبل الإقدام، وخزي المطاردة الصبيانيّة، مُبينةً تفاضل الرّجل الواعي بمنطقه وقوله وفعله على ذاك العابث، لتبدو المقابلة بين أدب النّزال، ووقاحة الالتفات درسًا واعظًا، قامت عليه أسس هذه الحكاية، حالها كحال أدبنا الشّعبيّ الّذي يتوخى النّصح والتوجيه بمقابلة النّماذج، لينتصر الأكثر إشراقًا ونبلًا وتأثيرًا في النّفوس بجماليّة فعله وحضوره؛ مقدّمًا سعادة بذلك للأمّة خيارين لمواجهة القدر؛ إما التّبرك بقطرة الصّبر الّتي تهزم المحن، أو الانغماس في لغط الحماقة الّذي يُعكر صفو العيد، فيرشد ببوصلته الوجدانيّة إلى أن الخلاص يكمن في موازنة الأمور بحكمة عقلية وقوة ترتقي بالفكر.
-انتصار الحبّ
يتوّج الحبّ في صيدنايا انتصاره الملحميّ الّذي اختصرته الأنثى (نجلا) بميلان خصرها نحو الفضيلة، مُحاكية حكمة الأدب الشّعبيّ في معمودية إخراج الحبّ من ضيق الاختيار إلى انتصار البطل المُراد بصوره الجمالية التامة المُتحققة في شخصيّة (إبراهيم) الّتي حولت الجرح إلى حياة، والغربة إلى موطن، يسكنه الحبيبان المنتصران على عنف المتربصين؛ لتبدو الفروسية عنوانًا جامعًا لاسترداد الكرامة الّتي اعتدنا عليها مع حكايات الأدب الشّعبيّ ومنها استرداد الجليلة من قصر التّبع، لتبدو (نجلا) سعادة جليلة العصر القوميّ المستردة بانتصار (إبراهيم) في معركة الوعي الّتي لا تحتاج سوى للشرع الأعلى.
د. وفا نسيب المهتار

