الثقة والإرادة: طريق النهوض والانتصار

لم يكن أنطون سعاده يؤمن بأن مستقبل الأمم تصنعه الظروف أو ترسمه الإرادات الأجنبية، بل تصنعه سواعد أبنائها، وفي طليعتهم الشباب والشابات الذين يمتلكون الثقة والإرادة. فالظروف قد تعيق، وقد تشتد الصعوبات، وقد تتكاثر الأخطار، لكن الأمة التي تؤمن بنفسها، وتثق بقضيتها، وتتمسك بإرادتها، قادرة على تحويل المحن إلى قوة، والهزائم إلى بدايات نهوضٍ جديد.

ولهذا جعل سعاده الثقة بالنفس، والإيمان بالقضية، والإرادة الصلبة، من أهم الأسس التي تقوم عليها النهضة. فطريق الحياة الحرة ليس طريقًا مفروشًا باليسر، بل طريق جهادٍ وصبرٍ وعملٍ متواصل، لا يثبت عليه إلا أصحابُ العزائم الكبيرة.

ولم تأتِ هذه الثقة من فراغ. فقد نشأ سعاده في بيتٍ كان يقدّر العلم والإرادة والعمل. وكان لوالده، العلامة الدكتور خليل سعاده، أثرٌ عميق في تكوين شخصيته، ولا سيما حين أوصاه قائلًا:

«إنك لرجلٌ عظيم، وإذا حاول العالم حولك أن يحجب عظمتك عن الأبصار، فاضحك منه كما تضحك الشمس ممن يحاول أن يحجب نورها بكفّيه عن عيون البشر.»[1]

وظل هذا الإيمان بالقدرة على الإنجاز يرافقه طوال حياته، حتى تحوّل إلى دعوةٍ يوجّهها إلى شباب الأمة جميعًا: أن يثقوا بأنفسهم، وأن يؤمنوا برسالتهم، وأن يصنعوا مستقبلهم بإرادتهم.

الثقة بالنفس أساس النهضة

كان سعاده يرى أن فقدان الثقة بالنفس من أخطر الأمراض التي تصيب الأمم، لأنه يقتل روح المبادرة، ويجعل الناس ينتظرون الخلاص من الخارج.[2] ولذلك دعا إلى التحرر من عقدة الضعف، وإلى الإيمان بقدرة الأمة على صنع مستقبلها بنفسها.

ويقول:

«ليست القومية إلا ثقةُ القوم بأنفسهم واعتمادُ الأمة على نفسها.»[3]

ولهذا لم يكن يدعو إلى ثقةٍ فارغة أو غرور، بل إلى ثقةٍ تستند إلى معرفة الأمة بنفسها، وإدراك مواهبها، والعمل على تنميتها. وكان يؤكد أن النهضة تبدأ عندما يؤمن الإنسان بأن فيه قدرةً على العطاء، وأن مجتمعه قادر على النهوض إذا أحسن تنظيم طاقاته.

الإرادة التي لا تنكسر

لكن الثقة وحدها لا تكفي إذا لم تتحول إلى إرادة.

فسعاده لم يعرف الاستسلام أمام الصعوبات، رغم ما واجهه من اضطهاد، وسجن، ونفي، وتشويه، ومحاولات اغتيال. وكان يعلّم أتباعه أن العقبات ليست سببًا للتراجع، بل امتحانًا لصدق الإيمان بالقضية.

وفي خطابه في الشوف سنة 1937 قال:

«ثقوا بأنفسكم قبل كل شيء، واعتصموا بإرادتكم قبل كل شيء، ولا تهتز أعصابكم حين الخطر، لأن الخطر في اضطراب الأعصاب.»[4]

فالإرادة، في نظره، ليست مجرد رغبة، بل قوةٌ داخلية تدفع الإنسان إلى متابعة الطريق مهما اشتدت المحن.

الصراع طريق الحياة

لم يكن سعاده ينظر إلى الحياة بوصفها سكونًا أو دعة، بل حركةً وصراعًا دائمًا من أجل الارتقاء. غير أن الصراع، في فلسفته، لا يعني حب النزاع أو العنف، بل يعني مقاومة كل ما يحول دون تحقيق الإنسان لإنسانيته: مقاومة الجهل والخوف والكسل والأنانية، والاستعمار والظلم، وكل أشكال الاستسلام.

ولهذا أعلن بوضوح:

«الحياة والحرية صراع، ومن أبى الصراع رفضته الحرية.»[5]

ففي نظره، لا تُنال الحرية بالأماني، ولا تُصان الكرامة بالتمني، وإنما بالجهاد المستمر، والعمل المنظم، والثبات على المبادئ. والصراع الحقيقي يبدأ أولًا داخل الإنسان، حين ينتصر على ضعفه وخوفه وتردده، ثم يمتد إلى المجتمع لمواجهة أسباب التخلف والفساد والاستعباد.

طريق النهضة طريق صراع وصبر

ولم يُخفِ سعاده يومًا أن طريق النهضة شاق، بل كان يكرر أن الأمم العظيمة لا تولد من الدعة، وإنما من الصراع والصبر والعمل.

ولهذا قال مخاطبًا القوميين:

«إنّ طريقنا طويلة لأنها طريق الحياة. إنها الطريق التي لا يثبت عليها إلا الأحياء وطالبو الحياة. أما الأموات وطالبو الموت فيسقطون على جوانبها!»[6]

إنها دعوة إلى الثبات في الطريق، وإلى الصبر على المشقات، لأن الحياة الحرة لا تُنال إلا بالمثابرة والجهاد. فالذين يطلبون الحياة يدركون أن الإنجازات الكبرى لا تتحقق في يومٍ واحد، وأن كل خطوةٍ في طريق النهضة تحتاج إلى إيمانٍ وعملٍ وصبر.

ولهذا كان يطمئن رفقاءه، رغم كثرة الصعوبات، بقوله:

«فإذا تمسكتم بإيمانكم القومي الاجتماعي… وصبرتم على الشدائد والمكاره… فإنكم ملاقون أعظم انتصارٍ لأعظم صبرٍ في التاريخ.»[7]

لا للخوف ولا للاستسلام

كان سعاده يرفض عقلية الاتكال وانتظار الحلول من الآخرين، ويرى أن الأمة التي تفقد ثقتها بنفسها تصبح أسيرة إرادات غيرها.

ولهذا دعا إلى الاعتماد على النفس، وإلى الثقة بقدرات الأمة، مؤكدًا:

«إننا نعتقد أنّ الدماغ السوري ليس أقلّ مقدرةً وذكاءً من أي دماغٍ في العالم.»[8]

وكان يرى أن الخوف والشك واليأس أخطر على الأمم من قوة أعدائها، لأن الأمة التي تفقد ثقتها بنفسها تعجز عن استخدام ما تملكه من طاقاتٍ وإمكانات.

رسالة إلى شباب اليوم

يعيش شباب اليوم في عالمٍ مليء بالتحديات والتغيرات السريعة، وقد يشعر بعضهم بأن المستقبل تصنعه القوى الكبرى أو الظروف الخارجة عن إرادته. لكن رسالة سعاده تأتي لتقول العكس: إن الأمم تنهض عندما يؤمن شبابها بأنهم قادرون على التغيير، ويحوّلون هذا الإيمان إلى عملٍ وصبرٍ وإبداع.

فلا تستسلموا للإحباط، ولا تجعلوا الصعوبات سببًا للتراجع. واجهوا الحياة بثقة، واعملوا بإرادة، واصبروا على طريق البناء، لأن النهضة لا يصنعها المترددون، بل الذين يثبتون في المواقف الصعبة ويواصلون السير نحو غايتهم.

ولهذا تبقى وصيته إلى الشباب من أبلغ ما قيل في الثقة بالنفس والإيمان بالمستقبل:

»آمنوا بأن فيكم قوةً لو فعلت لغيّرت وجه التاريخ.»[9]


[1] خليل سعاده. الرابطة: مجموعة مقالات وأبحاث متنوعة، سان باولو (البرازي)، 1971، ص. 24.‏

[2] أنطون سعاده في مغتربه القسري 1942، الآثار الكاملة 10، ص 60.

[3] أنطون سعاده، المحاضرات العشر، ص 33.

[4] المرجع ذاته، ص 19.

[5] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد الثامن 1948 – 1949، ملحق رقم 4 – خطاب الزعيم في دده الكورة

[6] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد الرابع 1940- 1941، خطاب الزعيم إلى القوميين، الزوبعة، بوينس آيرس، العدد 32، 15/11/1941.

[7] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد السابع 1944-1947، “من تكمان لضهور الشوير تحية الزعيم من المهجر للمحتشدين في يوم الإصلاح”.

[8] ملحق رقم 4، خطاب الزعيم في دده – الكورة 17/10/1948، صدى الشمال ـ صوت الجيل الجديد، بيروت، العدد 7، 8/7/1958

[9] أنطون سعاده، الآثار الكاملة – الجزء الثالث 1937، ص 54.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *