دولة حكايات الأطفال الخرافيّة وتراجيديا الأكاذيب!

يقول جورج اورويل في كتابه مزرعة الحيوانات «الحيوانات التي لا تتذكر تاريخها محكوم عليها بتكراره »

 في روايته «مزرعة الحيوانات » ينتقد نظام الإتحاد السوفييتي السابق القمعي الجائر الذي شوّه مبادئ الاشتراكيّة واستبدل حكم القياصرة بديكتاتورية الحزب الواحد ومن يدور في فلكه.

 كتب روايته على عادة ابن المقفع ولافونتين من أجل إبراز أفكار سياسية معيّنة على لسان الحيوانات كي لا يُحرج المملكة المتّحدة، وذلك من خلال إسباغ خصال الناس على تصرفات الحيوانات أو بالعكس، في ميادين صراع النفوذ وسياسة المصالح الدولية في الاقتصاد والسياسة.

 لكنّ ما غفل عنه أورويل فعلاً هو أن الحيوانات لا تكذب، على عكس الآدميين، خاصة إذا كانوا حكّاما في حكومات كيانات هذه الأمّة، حيث الكذب والدّجل هما ملح الرجال والنساء على حدّ سواء، ففي الكذب السياسي يتساوى الجنسان تحت قبة البرلمان!

قال ميشال دو مونتاني: «الكذب رذيلة كبرى تدلّ أن ممارسها يحتقر الله، ولكنه يخاف الناس ». هذا هو بالضبط حال رجال السياسة في بلدنا، يخافون من الناس ويحتقرون الله في كل مناسبة. لذلك لا أعتقد وكما هو واضح أنهم يخشون عقاب دنيا و آخرة ، لدرجة أنهم يبرمون ويصدقون على القوانين التي من شأنها تقويض هيبة الدولة و قانونها و يمحون شرعيتها ،كمن يوقع عقدا مع الشيطان في مسرحية « فاوست » ، لا لشيء سوى أنهم «ضحايا »عامل الخوف و في ذلك إشكاليات ما بعدها إشكاليات، ولكن من الأكيد جبرًا لا حقّا أنّهم يعمدون إلى زيادة أجورهم لأنهم يحتقرون الناس والإنسانية والوطن والمواطنين و الله و يعفون المجرم القاتل لا لشيء سوى أن هذا المجرم يتشابه مع العدو الخارجي الذي يقتل شعبنا ، فمن الواجب معاملة المجرم الداخلي كما الخارجي بالتساوي!

حصل ذلك في أعلى نسبة من نسبة تجليّات هذه السلطة الإشراقية في أعلى قمّة من قمم (جبل حرمون السيادة) …

ولكن ما هو جليّ ولافت في سلوك هؤلاء الساسة هو استدامة حكايات الأطفال في أذهانهم السطحية غير الناضجة وسلوكهم «الوطني» والمناقب الوطنية الطفوليّة طبعا كما تدرَّس في صفّ الحضانة، إذ على ما يبدو، لم تغادر عقلياتهم« المرنة » واللزجة؛ سديم التيه والضياع وانتظار الحل من أجنبي أو من عدو متربّص، يعيشون في سلوكهم السياسي لعبة الكذبة وإخفاء الحقيقة كما الاطفال.

في حكاية خرافية للأطفال {مزماري هاملن الأرقط} وهي حكاية من التراث الألماني يطلب أعيان مدينة هاملن من المزماري الساحر أن يخلّصهم من موجة جرذان نهمة فتكت بالمدينة. يقوم هذا الساحر، بواسطة ألحانه السحرية، بتنويم الجرذان مغناطيسيا واستدراجها إلى النهر لتغرق، وحين يعود إلى المجلس البلدي ليقبض مكافأته يخبرونه أن الخزينة فارغة. كانت ردّة فعل المزماري حاسمة إذ قام باستدراج أطفال مدينة هاملن وهو يعزف ألحانه السحرية على المزمار، وحرمان الأهل من أولادهم.

هذا ما حصل في بلادنا تماما فقد حُرمت من أبنائها قتلا وتهجيرا وهجرة إلى كل أقطار الأرض، ذلك أن شعبنا دفع ثمن الأكاذيب منذ قرون فكانت التداعيات وخيمة …

في قصة بينو كيو الدّمية الخشبيّة التي صنعها العجوز جيبيتو وأحيتها الجنيّة اللطيفة، كان أنف بينوكيو يكبر كلّما كذب كذبة، لكنه لا يلبث وأن يعود إلى حجمه الطبيعي عندما يعترف بكذبته، كان بينوكيو في نهاية الأمر طفلا بريئا لديه مركّب نقص كبير كونه دمية خشبية، ولكن رجال السياسة في بلادنا لا عذر لهم ولا يملكون أنوفا خشبية لكن في الواقع هي عقولهم الخشبيّة اليابسة والمتحجّرة، لا يعترفون بكذبهم الفظيع. ومهما حصل معهم يواظبون على الكذب وخداع الناس وبدل أن تطول أنوفهم تطول أيديهم وتتمدّد للسرقة وتوقيع قوانين العار والاستسلام، لقد «طقّ شلش الحياء» لديهم بالفعل وذلك منذ زمن بعيد!

المشكلة من الأساس أن ما لدينا من ساسة غرقوا في وحول الرياء إلى آذانهم، والعمالة هي في أساس دولة العمالة وعرّاباها بشارة الخوري ورياض الصلح فقد تأسست معهما أكبر عصابة إجرام في تاريخ البشرية وأسوأ نظام قمعي تحت مسمّى الديمقراطية، ذهلت من أساليبه المتطورة المحدثنة عصابات شيكاغو والبرونكس لدرجة أن الغستابو، والكا جي بي، والسي آي إي استلهموا عبقرية عنفه وأحابيله وقمعه، وقد قال الأخطل الصغير يوما:

«إذا غرق الكذّاب بالكذب لم يزل لدى الناس كذابا وإن كان صادقا»

في دولة الكذّابين يسود اللاعدل ويستفحل الجوع، إذ لا قوت فيها ولا طحين، شعبها شعب من جموع المساكين، المظلومين التائهين وحكامها عملاء الأجنبي يقودهم بعصاته، يسيرون تحت وصايته مسرنمين (المسرنم هو الذي يسير في نومه)، خانعين تابعين أذلاء محتقرين!

والعدو ينهش الوطن بنهم غير مسبوق هذا النهم الذي يقول عنه الروائي الفرنسي العظيم بالزاك:

«الشره مخلوق أكثر من حيوان بكثير وأقل من إنسان بكثير».

والحال كذلك وفي مثل هذه الأيام المجحفة نقول: يا ما أحلاها مزرعة الحيوانات لجورج أورويل لأن المزرعة مهما عانت من مشاكل وثورات وعصيان ، ينتهي الأمر بها إلى عودة النظام والقوانين والحيوانات متى ما شبعت توقفت عن الأكل بينما حكام بلادنا لا يشبعون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *