التلاعب بقضايا الأقليات
إنّ حماية وجود الأقليات في المشرق العربي، هي حماية لخصوصية هذا المشرق الذي يبدو وكأنه حديقة متنوعة الورود، في الحالة السليمة تفوح الروائح العطرة لجميع وروده، وفي الحالة المريضة لا نشمّ سوى الروائح النتنة. وهذا لا يتم إلا بصياغة مفهوم واضح للمواطنة قائم على أساس الانتماء للوطن فقط، ولا تدخل فيه أية أسس عرقية أو لغوية أو دينية.
و«المواطنة» مفهوم قانوني وسياسي.. بُعده القانوني يرتكز على مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات دون تمييز بسبب الجنس والعرق والدين، وتشكّل العدالة بمعاييرها الدولية أساس إدارة المؤسسات.
أمّا البعد السياسي فهو الحقّ في المشاركة في تقرير شؤون المجتمع عن طريق الانتخابات وممارسة الحريات في ظل مناخ اجتماعي مشجّع وداعم للمشاركة مع الآخر أفرادًا ومؤسسات، وتشكّل الحقوق والواجبات آليات عمل المواطن والمشاركة في أبعادها سلوك إيجابي واقعي شامل متكامل يسعى لبلورة هدف ووسيلة ويؤكد الدور الفاعل للمواطن في إدارة مفاصل الدولة عبر الدخول السليم في خضمّ العملية الديمقراطية التعبيرية التي يجب أن ترتكز على الهوية السورية كهوية رئيسية وجامعة لكل عناصر نسيج المجتمع.
ويكتسب هذا السياق أهمية خاصة للتأكيد على تعقيد ديناميكيات التحوّل السياسي في المنطقة اليوم، متجنّبًا النزعة الثقافية والاستثنائية. ومن ثم تحليل العلاقة التاريخية بين الأقلية، كمفهوم ومؤسسة، وسيادة الدولة، والجغرافيا السياسية.
في الواقع، كانت «حماية الأقليات» أحد المبررات الرئيسية التي قُدِّمت للحكم الاستعماري، على افتراض أنه لا يمكن الوثوق بالأغلبية المحلية في الحكم العادل. كان هذا هو المبرر المزعوم للقوى الأوروبية للمطالبة بسلطة قضائية خارج حدودها على الأقليات المسيحية في الإمبراطورية العثمانية، ثم للحكم الاستعماري الشامل مع تراجع الحكم العثماني. وبالاعتماد على هذا المبرر، كان لدى الحكام الاستعماريين بطبيعة الحال حافز ليس فقط لتحديد الأقليات التي تحتاج إلى الحماية، ولكن أيضًا للمبالغة في حاجتهم إلى تلك الحماية جزئيًّا، من خلال تضخيم الاختلافات الثقافية المزعومة ومستويات انعدام الثقة أو العداء بين الجماعات. لا داعي للمضيّ قُدُمًا القول بأن القوى الاستعمارية «اخترعت» الأقليات، لكنها بالتأكيد عملت بجدّ لترسيخ الحدود بين الجماعات العرقية والدينية، وتثبيط تشكيل أي حركة تحرر وطني موحدة ضد الحكم الاستعماري.
شكّلت شخصية «الأقلية» في تاريخ الشرق الأوسط مسرحًا لتعبير وممارسة القوة الأوروبية. وليس هذا مجرد تاريخ قديم. فالقوى الأجنبية لا تزال تستغل قضية الأقليات في الدول العربية، ويُنظر إلى الأقليات على نطاق واسع على أنها تتعاون مع القوى الأجنبية لإضعاف حكم الدولة.
ونتيجةً لذلك، فإن فكرة «حماية الأقليات»، لا سيما عندما تنطوي على إمكانية جذب الجهات الفاعلة الدولية، لا تُعتبر شكلاً مشروعًا وطبيعيًّا للتنافس السياسي المحلّي، بل تهديدًا جيوسياسيا لأمن الدولة. وبهذا المعنى، لا تزال سياسات الأقليات في العالم العربي «مُؤمَّنة» إلى حدّ كبير، وبالتالي، تخضع لأشكال قاسية من الرقابة.
لا تُعتبر العلاقات بين الدول والأقليات مسألة سياسات ديمقراطية عادية تُناقش، بل مسألة أمن دولة، حيث يجب الحدّ من النقاش والتعبئة السياسية لحماية الدولة
الأمم المتحدة وحقوق الأقلّيّات
في عالمنا اليوم، تتّسم المناقشات حول قضايا الأقليات العرقية ببعدين محلّي وعالمي، وتستند إلى الخطابات العالمية واللهجات المحلية. فهناك خطاب عالمي للتعددية الثقافية، تدعمه منظمات دولية مختلفة مثل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، والذي صيغ في الإعلانات الدولية الحديثة بشأن حقوق الأقليات والسكان الأصليين.
ففي الشرق الأوسط، أصبح احترام حقوق الأقليات– إلى جانب حقوق المرأة– مقياسًا لنجاح انتقالها إلى الديمقراطية.
تجدر الإشارة، على سبيل المثال، إلى أن الدول العربية صوّتت بالإجماع في الأمم المتحدة على كل من إعلان حقوق الأقليات لعام 1992 وإعلان حقوق السكان الأصليين لعام 2007، بالإضافة إلى إعلان اليونسكو لعام 2001 بشأن التنوّع الثقافي.
وكان القانون الدولي العام قد استقر على القرار الصادر عن الأمم المتحدة لحماية الأقليات عام 1951 والوارد فيه: «إنّ الأقليات هي الجماعات التي لها أصل تاريخي ثابت وتقاليد دينية ولغوية وصفات تختلف بصورة واضحة عن بقية الشعب الذي تعيش معه. ويجب أن يكون عدد هذه الأقلية كافيًا للحفاظ على تقاليدها وصفاتها، كما يجب أن تدين بالولاء للدولة التي تتمتع بجنسيتها». (راجع د. نجلا كنعان، «حماية الأقليّات في القانون الدولي العام ـ نظرة تاريخية وقانونية» ص 4)
وكان إعلان الأمم المتحدة للأقليات للعام 1992، قد أشار في مادته الأولى إلى الأقلياتٍ على أساس الهوية القومية أو الإثنية والثقافية والدينية واللغوية، وتنصّ هذه المادة على واجب الدول حماية وجود هذه الأقلّيات. بالإضافة إلى هذا، تردُ أحكام في معاهدات حقوق الإنسان تحظِّر التمييز على أساساتٍ مختلفة ذات صلة بالأقليّات. ويعتبر مبدأ عدم التمييز والمساواة أمام القانون من المبادئ الأساسية للقانون الدولي لحقوق الإنسان.
ووفقًا لخبير الأمم المتحدة المستقلّ المعنيّ بقضايا الأقليات، هناك أربع التزامات عامة يجب أن تأخذها الدولة على عاتقها من أجل احترام حقوق الأقليات وضمانها:
1ـ حماية وجود الأقليات، بما في ذلك حماية سلامتهم البدنية ومنع الإبادة الجماعية.
2ـ حماية وتعزيز الهوية الثقافية والاجتماعية، بما في ذلك حقّ الأفراد في اختيار أيّ من الجماعات العرقية أو اللغوية أو الدينية يرغبون أن يعرّفون بها، وحقّ هذه الجماعات في تأكيد هويتهم الجماعية وحمايتها ورفض الاستيعاب القسري.
3ـ ضمان فعالية عدم التمييز والمساواة، بما في ذلك وضع حدٍّ للتمييز المنهجي أو الهيكلي؛
4ـ ضمان مشاركة أفراد الأقليات الفعّالة في الحياة العامة، ولا سيما فيما يخص القرارات التي تؤثر عليهم . )راجع وثيقة الأمم المتحدة ـ E/CN.4/2006/74، 6 يناير/كانون الثاني 2006، الفقرة 22(.
فهم جديد للتنوّع
بما أنّ الاستقرار المستقبلي لمنطقة المشرق العربي سيعتمد حتمًا على فهم جديد لمعظم المفاهيم المرتبطة بالهوية والتنوع والديموغرافيا، يبدو من الضروري مواصلة الجهود لبحث جذورها التاريخية والمفاهيمية، بالإضافة إلى آثارها المعيارية وتكيّفاتها المؤسسية، في محاولة لتفسير سبب عودة فكرة الأقلية، كمفهوم ومؤسسة، إلى هذا الدور المحوري في السياسة الإقليمية والدولية الحالية.
فالنظام الطبيعي للكون والحياة قائم على تعددية واضحة. ويكفي للبرهنة على صحة الفرضية المتقدمة أن الأكوان المختلفة تشتمل على مجرات متعددة، وأن الكون الذي يضمّنا تكتنفه قوى مختلفة كالجاذبية والكهرومغناطيسية بما تتميزان كلتاهما من خصائص مباينة أو مناقضة للأخرى. ولولا وجود هذا التعدّد في نظامنا الشمسي لاستحال وجود حياة من حيث الأصل.
وعلماء الطبيعة من جهتهم يؤكّدون أهمية التعدّد الحيوي للكائنات المختلفة، ويتفقون على حقيقة أن انقراض أحد أنواع الموجودات من وجه البسيطة له تداعياته الضارة على سائر الأنواع الأخرى، بل على الوجود بأسره.
ومن الناحية الفكرية فلا يمكن تصوّر وجود حوار أو تطور أو حتى مجرد طرح تساؤل فلسفي من دون وجود تعددية في نطاق النظريات والآراء.

