الدولة والسياسة

لم يستطع سكان بلدان آشور (الشام والعراق) النجاح في تأسيس دولة، قبل أن تأتي القوى الاستعمارية وتقسم هذه البلاد، إلى الرغم من أن (المؤتمر السوري الأول) كان بمثابة برلمان، اجتمعت فيه النخب المؤثرة للأخذ بزمام الأمور، وتأسيس دولة، ولعل من معيقات هذا التأسيس المبكر، كانت في الإيديولوجيات المختلفة التي تضاربت، من دون مصالح حقيقية، لتختلف النخب المشاركة على رؤية الدولة بمعناها التكنولوجي المعاصر لذلك الزمن، لتقترب القوى الاستعمارية على عجل، وتقسم البلاد، وتحل فيها كمدرس لمادة علوم الدولة، بالإضافة إلى دورها الاستعماري المعروف، فقامت بهيكلة الدولة والمؤسسات، وأعلنت عن وظائفها وأدوارها، ولكن هذه الإنجازات بقيت في عيون أهل البلاد إنجازات استعمارية مكروهة، وهذا ما ظهر بعد الاستقلالات، إذ تمت الإطاحة بالمفهوم التكنولوجي للدولة، عبر الإطاحة بمفهوم فصل السلطات، لتتحول «الدولة» في سنوات قليلة، إلى حكم الزعيم الأوحد المتغلب، الحائز على جميع السلطات والمناصب، في حالة من تأجيل تحقيق المصالح، (لا بل تراجع عن المصالح المتحققة سابقا) إلى أجل غير مسمى ( مجازاً: على الوعد يا كمون)، وبدأت مؤشرات تتزايد دون فضح أو حتى تفكير، بينما منجزات الدولة تتراجع في كل المجالات عدا الإعلام والعنف، حيث يبدوان وكأنهما في اللادولة، فوجودهما الاستثنائي مؤقت حسب تشريعات قوانين الطوارئ والاستثناء، في هذه اللحظة، تظهر «الدولة» عجزاً حقيقياً عن تعريف نفسها، والأفدح، لنفسها، فهي نفسها لا تعرف إلى ألى أية منظومة حقوقية تنتمي، وهي في الأساس رافضة للمنظومة التكنولوجية التي تدربت عليها على يد الاستعمار الغاشم، الذي لم يتجاوز حضوره بين ظهرانينا الثلاثون عاماً، أي أقل من فترة بقاء أي حاكم في هذه البلاد، وهذا أمر يجعل من الدولة كتكنولوجيا أو كحقوق من لزوم ما لا يلزم، فالحاكم يستطيع أن يضع تعريف أو عدة تعاريف للدولة كل يوم، وربما في خطاب مرتجل واحد، حيث تختصر كلمة دولة في مجموعة إجراءات، تنفذ بقوة الإعلام والأمن، وفي صلبها الدستور وصياغته، الذي فشل المؤتمر السوري الأول في وضعه وبالتالي لم يمكن وقتها إيجاد دولة تعرّف ذاتها لنفسها. أي أنه مؤتمر لدولة وهمية، ولكنها ليست أكثر وهميةً في «الدول» التي قامت بعد التقسيم، ومن ثم بعد الإستقلال.

في الدولة الوهمية (التي لا يمكن تعريفها)، تأتي الفئة المتغلبة، حاملة بطل على أكتافها وتقدمه ( بقوة الإعلام والأمن) كمنقذ، لتبرير إعطائه السلطة المطلقة، أو سلطة ما فوق الدولة المدسترة، وكما تعرف كل الدنيا أن السلطة المطلقة هي مفسدة مطلقة، ثم يقوم انقلاب عليه يسمى بالعادة والمجاز ثورة، يأتي متغلبها على رأس سلطة مطلقة، وفي الحالين السياسة ممنوعة على الشعب والنخب وحتى أصحاب الاختصاص، ولكن الدولة وهذا قدرها، وتقديرها، هي وليدة السياسة، بمعنى التنافس على التفيذ الأجدى والأجود للدستور، كونها المجال الأكثر عقلانية وتسالم في خوض التنافس وإثبات الجدارة، في تحقيق مرامي الدستور كتكنولوجية مؤسِسة للدولة ككيان واضح المعالم واضح السلطات، وعلى هذا الوضوح، يتأسس عدم مقدرة الدولة المزيفة على الأقل، والوهمية على الغالب، على تعريف نفسها لنفسها، وبالتالي هي تعرف فشلها التأسيسي وربما أكثر من ذلك، ومع هذا تدفع بالتأجيل كاستراتجية وحيدة لاستمرارها كجهاز، بينما تتعرض للتآكل والقضم ،من الداخل والأطراف بواسطة فئران التأجيل الذي يسمى بالمجاز فساداً، الذي ينجز مظلوميات دستورية، أقلها انقطاع الكهرباء.

في هكذا أجهزة ( دول مجازا) يصبح  الجميع أعداء بعضهم، وأعداء الجهاز، في آن معاً، وعلى الجهاز ترويضهم جميعاً (بالمعنى التربوي للكلمة)، حتى يستنفد التأجيل أجله، بانقلاب جديد، وطبعاً حسب توازن المصالح الخارجية، مثل أجهزة (دول) ما بعد سايكس بيكو.

اليوم لا يختلف الأمر عن عام 1919، فكونداليسا رايس بشرتنا بشرق أوسط جديد، ولكننا سخرنا منه ومنها، ومن الفوضى الخلاقة التي نعيش، وذلك بأمر من الأخ الأكبر ( بالإذن من جورج أورويل)، الذي يبدو مخصيا مهلهلاً، أمام مجريات ليس بيده تأجيلها، كما أجل مستحقات بشارة رايس المعروفة، وهذا أمر ليس في عداد المصادفات، أو قلة التقدير والحيلة، ولكنه ممر إجباري له، بسبب إعدام السياسة في الاجتماع البشري الذي يحكمه، مما يؤدي إلى إعدام تكنولوجية الدولة، وبالتالي وضعها في مهب الريح، فهو بالإساس لا يعرفها، ولا يريد تعريفها، والخضوع لهذا التعريف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *