تثير صناعة الأسلحة في الكيان الصهيوني وتوريدها من القارة الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية إلى هذا الكيان جدلاً واسعاً ينقسم بين مواقف الاستمرار والتعليق والمنع الكامل. وقدأسهمت الحروب والصراعات في منطقتنا في زيادة الطلب دولياً على منتجات السلاح والأنظمة العسكرية التي تنتجها شركات «إسرائيلية»، فيما كشفت شهادة رئيس شعبة التجهيز في سلاح جو العدو، في أواخر تموز الماضي أن القيود الدولية على توريد السلاح لم تعد خلافاً دبلوماسياً أو تجارياً فحسب، ولكنها تحولت إلى خطر تشغيلي كان يمكن أن يخرج طائرات من الخدمة. وتتمدد الأزمة إلى أنواع عديدة من الأسلحة مثل قطع غيار المدرعات والجرافات، ومكونات الذخائر والصواريخ، والمواد الخام والإلكترونيات. ورغم نجاح العدو في تعويض بعض النواقص، تؤكد المصادر العبرية أن «الاستقلال التسليحي» سيظل جزئياً، لأن منظوماتها الجوية والبرية مرتبطة بشبكات إمداد أميركية وأوروبية يصعب استبدالها سريعاً.
في أوروبا تتصدر ألمانيا قائمة كبار موردي الأسلحة إلى الكيان الصهيوني بسبب دورها في الغواصات والسفن والطوربيدات، إلى جانب مكونات المدرعات والأنظمة البصرية والذخائر، وتعدّ ثاني أكبر مورّد للأسلحة بعد الولايات المتحدة الأميركية. ووفقًا للحكومة الألمانية، فقد أُصدرت في الفترة ما بين 7 تشرين الأول 2023 و12 أيار 2025 تراخيص تصدير أسلحة بقيمة تتجاوز 485 مليون يورو. ويلاحظ المعنيون بهذا الموضوع أن الموقف الألماني شهد تذبذباً ملحوظاً، ففي حين علّقت ألمانيا جزئياً تراخيص تصدير أسلحتها إلى العدو في آب 2025 لاستخدامها في قطاع غزة «حتى إشعارٍ آخر»، قامت في 24 تشرين الثاني بإنهاء التعليق الجزئي لنقل الأسلحة، معلنةً أنها «ستعود إلى دراسة كل حالة تصدير أسلحة على حدا» وذلك فيما يتعلق بالأسلحة الموردة إلى «إسرائيل» لاستخدامها في قطاع غزة المحتل. ومقابل ذلك أبرمت ألمانيا صفقات عكسية ضخمة لشراء تكنولوجيا دفاعية من العدو. استئناف عمليات نقل شحنات الأسلحة لاحقاً لاقى انتقادات حادة من منظمات حقوقية مثل منظمة العفو الدولية
التي طالبت منذ وقت طويل بفرض حظر شامل على توريد الأسلحة للكيان الصهيوني وللجماعات المسلحة المنخرطة في الأعمال العسكرية الدائرة في قطاع غزة. وشددت على ألمانيا وغيرها من الدول الأطراف الوفاء بالتزاماتها بموجب معاهدة تجارة الأسلحة، ومنع ارتكاب الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، والامتناع عن الإسهام فيها، والتحرك لوقفها، معتبرة أن الحكومات التي تواصل توريد الأسلحة إلى «إسرائيل» تُخلّ بالتزاماتها القانونية الدولية.
إلى جانب ألمانيا، تعتبر المملكة المتحدة وإيطاليا وفرنسا من أبرز الدول الأوروبية التي تصدر الأسلحة والمكونات العسكرية إلى «إسرائيل»، وقد واجهت هذه الدول ضغوطاً سياسية وقانونية مكثفة محلياً ودولياً لوقف التوريد. هولندا على سبيل المثال قيدت انتقال قطع «إف-«35، أما إسبانيا وكندا وبلجيكا وسلوفينيا وفرنسا فقد اتخذت إجراءات تراوحت بين تعليق التراخيص ومنع الشحنات أو تعطيل مشاركة الشركات «الإسرائيلية» في معارض السلاح. ومع طول الحرب التي يقودها العدو الصهيوني، يتحول الحظر التراكمي للقطع الدقيقة إلى أداة لاستنزاف الجاهزية العسكرية ورفع تكلفة القتال، مما يحدّ من حرية القرار ويجعل استمرارية العمليات مرهونة باستمرار تدفق الموردين الخارجيين.
ولا يأتي الإحجام من أوروبا فقط، فقد توقفت شركة كورية جنوبية عامين عن توريد بطارية خاصة تُعد مكوّناً أساسياً في الصواعق الإلكترونية، بحجة أن «إسرائيل» منطقة حرب.
إزاء هذه المواقف الدولية قادت منظمات المجتمع المدني والمراكز القانونية دعاوى قضائية أمام المحاكم المحلية في بريطانيا وألمانيا وهولندا لوقف تراخيص التصدير، مستندة إلى اتهامات بانتهاك معايير الاتحاد الأوروبي لتصدير الأسلحة ومخاطر المساهمة في جرائم حرب. واكتسبت التحركات القانونية زخماً إضافياً عقب قرارات ومذكرات المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، بالإضافة إلى قرارات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الداعية لوقف بيع وتصدير الأسلحة لتجنب تعميق الانتهاكات.
وبذلك تشهد الدول الأوروبية تحركات شعبية ونقابية وطلابية واسعة النطاق للضغط على الحكومات بهدف وقف توريد الأسلحة إلى «إسرائيل»، وتحويل التضامن الميداني إلى إجراءات سياسية واقتصادية ملزمة ضد آلة الحرب في غزة.
ومن أبرز أشكال التحركات الشعبية في أوروبا اعتصامات ومظاهرات أمام مصانع السلاح لمطالبة الحكومات بوقف رخص تصدير العتاد العسكري، وازدياد أنشطة النقابات العمالية لتعطيل أو رفض نقل الشحنات والذخائر الموجهة لجيش الاحتلال في عدة موانئ ومطارات أوروبية، وقيام الشبكات الطلابية في الجامعات الأوروبية بحملات مقاطعة وسحب استثمارات من الشركات الداعمة للجيش «الإسرائيلي»، وإطلاق تحالفات وحملات دولية من خلال انخراط الحركات المدنية في تأسيس أطر تنسيقية (مثل التحالف العالمي من أجل فلسطين) للدعوة إلى أيام تحرك عالمية ومحلية تفرض حظراً شاملاً وفورياً للأسلحة وعقوبات دولية.
وكان لافتاً العام الماضي قيام منظمة «آفاز» العالمية، (شبكة حملات عالمية تهدف إلى التأثير على القرارات السياسية من خلال أصوات المواطنين) بتنظيم حملة توقيع مئات مغنين ومخرجين وممثلين واعلاميين وموسيقيين وكتّاب ألمان على دعوة إلى وقف توريد أسلحة ل«إسرائيل» وفرض عقوبات عليها، هذا فضلاً عن تنظيم مظاهرات ضخمة في برلين تطالب الحكومة الألمانية بوقف توريد الأسلحة لكيان العدو.
والخطوة الهامة حالياً جاءت بإعلان التحالف العالمي من أجل فلسطين (GAFP) إطلاق حملة دولية واسعة تمتد من 9 إلى 11 تشرين الأول المقبل، على أن يتصدرها يوم عالمي للتحرك في 10 تشرين الاول، بهدف تنظيم فعاليات متزامنة في مدن حول العالم للضغط من أجل وقف الحرب «الإسرائيلية» على الفلسطينيين، وفرض حظر على تصدير الأسلحة إلى كيان العدو وفرض عقوبات عليه. وتستهدف الحملة إشراك مئات المنظمات والحركات المدنية والنقابات والشبكات الطلابية في تحركات منسقة تمتد عبر آسيا وأوروبا، وأفريقيا والشرق الأوسط والأميركيتين.

