لا يرتبط التطرف بدين محدد، ولا بعقيدة بعينها، ولا بشعب أو قومية أو طائفة. فالتطرف ظاهرة إنسانية وسياسية وفكرية يمكن أن تظهر عندما تتحول العقيدة، أيًّا كان مصدرها، من منظومة فكرية أو روحية إلى حقيقة مطلقة يحتكر أصحابها تفسيرها، ثم يستخدمونها لإلغاء المختلف أو تبرير إقصائه أو ممارسة العنف بحقه.
ومن هنا، فإن مواجهة التطرف لا ينبغي أن تكون مواجهة لدين أو عقيدة، بل مواجهة لمنهج التفكير المتطرف الذي يجعل الإنسان أسيرًا لفكرة واحدة، ويرفض الاعتراف بحق الآخرين في الاختلاف.
من الإيمان بالعقيدة إلى احتكار الحقيقة
الإيمان بفكرة أو عقيدة ليس تطرفًا بحد ذاته. فلكل إنسان الحق في أن يؤمن بما يشاء، وأن يدافع عن أفكاره ومبادئه.
لكن الخطر يبدأ عندما تنتقل الجماعة من الإيمان بأن «هذه هي الحقيقة التي أؤمن بها» إلى الاعتقاد بأن «هذه هي الحقيقة الوحيدة التي يحق للجميع أن يؤمنوا بها».
عندها يتحول الاختلاف من حق طبيعي إلى تهديد، ويتحول صاحب الرأي المختلف من إنسان له حقوق إلى خصم يجب إسكاتُه أو إقصاؤه.
وهذه الآلية يمكن أن تظهر لدى جماعة دينية أو قومية أو سياسية أو أيديولوجية، مهما اختلف اسمها وشعاراتها.
صناعة «نحن» و«هم»
من السمات المشتركة للتطرف بناء جدار نفسي وفكري بين الجماعة والعالم المحيط بها.
نحن أصحاب الحق، وهم أصحاب الباطل.
نحن المدافعون عن الحقيقة، وهم أعداؤها.
نحن أصحاب القضية، ومن يختلف معنا يعمل ضدها.
ومع مرور الوقت، يصبح هذا التقسيم أكثر حدة، بحيث يفقد الآخر صفته الإنسانية في الخطاب المتطرف، ويصبح مجرد «عدو» أو «خائن» أو «كافر» أو «منحرف» أو أي تسمية أخرى تسمح بإلغاء شخصيته وحقوقه.
الانتقائية في استخدام النصوص والأفكار
من أخطر أدوات التطرف الانتقائية.
فالجماعة المتطرفة قد تنتقي من النصوص الدينية أو التاريخية أو الفكرية ما يتناسب مع موقفها، وتتجاهل النصوص أو المبادئ التي تتعارض معه.
وهكذا تصبح العقيدة في بعض الأحيان مادة جاهزة لتبرير موقف سياسي أو عسكري أو اجتماعي اتخذته الجماعة مسبقًا.
وبدل أن يكون الفكر هو الذي يقود الممارسة، تصبح الممارسة هي التي تبحث عن غطاء فكري أو ديني يبررها.
تقديس الجماعة والقيادة
يبدأ التطرف عندما يصبح الولاء للجماعة أقوى من الولاء للمبادئ الأخلاقية التي تدّعي الجماعة الدفاع عنها.
وقد يصل الأمر إلى تقديس القيادة أو التنظيم، بحيث يصبح نقد المسؤول خيانة، ومراجعة القرار ضعفًا، والاعتراض خروجًا عن الجماعة.
وهنا تفقد العقيدة دورها كمنظومة فكرية، وتتحول إلى وسيلة للسيطرة على الأفراد.
إن الجماعة التي لا تسمح لأعضائها بالسؤال والنقاش والمراجعة تكون أكثر قابلية للانغلاق والتطرف.
تبرير العنف باسم الغاية
أخطر مراحل التطرف هي عندما تصبح الغاية مبررًا للوسيلة.
فإذا اقتنعت الجماعة بأن قضيتها مقدسة أو وجودية، فقد تبدأ بتبرير وسائل كانت سترفضها في ظروف أخرى. العنف يصبح دفاعًا. الإقصاء يصبح ضرورة. التمييز يصبح حماية. والاعتداء يصبح تضحية من أجل القضية.
وهنا يفقد الإنسان قيمته الفردية، لأن حياته وحقوقه تصبح أقل أهمية من الهدف الذي تؤمن به الجماعة.
العدو الدائم
يحتاج الفكر المتطرف غالبًا إلى وجود عدو دائم لكي يحافظ على تماسكه الداخلي.
فالخطر الخارجي يساعد على إسكات الأسئلة الداخلية، ويبرر التشدد، ويمنح القيادة مبررًا دائمًا لتعبئة الأتباع.
وقد يكون هذا العدو دينًا آخر، أو طائفة أخرى، أو قومية أخرى، أو نظامًا سياسيًا، أو حتى أفرادًا من الجماعة نفسها.
ولهذا فإن الجماعة التي لا تستطيع أن تعيش إلا بوجود عدو دائم تكون معرضة باستمرار لإعادة إنتاج التطرف.
رفض التعددية
التعددية لا تعني أن يتخلى الإنسان عن عقيدته، بل تعني أن يعترف بأن الآخرين يملكون الحق نفسه في اختيار عقائدهم وأفكارهم.
أما التطرف فيرى في الاختلاف خطرًا، وفي التنوع تهديدًا، وفي التسامح تنازلًا.
ومن هنا يصبح المجتمع المتعدد عدوًا طبيعيًا للفكر المتطرف، لأن التعددية تهدم فكرة احتكار الحقيقة.
التطرف ليس حكرًا على الدين
من الخطأ اختزال التطرف في التطرف الديني فقط.
فالتاريخ الحديث والمعاصر عرف أشكالًا مختلفة من التطرف القومي والسياسي والأيديولوجي والعرقي، وقد ارتكبت بعض الأنظمة والحركات غير الدينية أعمالًا عنيفة واسعة النطاق باسم أفكارها وشعاراتها.
وهذا يؤكد أن المشكلة الأساسية ليست في طبيعة العقيدة وحدها، بل في كيفية تعامل الإنسان معها عندما تتحول إلى يقين مطلق ومشروع لإخضاع الآخرين.
فالفكرة نفسها قد تكون سلمية في يد، ومدمرة في يد أخرى عندما تُحرم من النقد وتُستخدم لإلغاء الإنسان.
كيف نواجه التطرف؟
مواجهة التطرف لا تكون فقط بالمواجهة الأمنية، رغم أهميتها عندما يتحول التطرف إلى عنف، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير.
تبدأ بالتعليم الذي يشجع على التفكير النقدي، وبثقافة تقبل الاختلاف، وبمؤسسات تحمي حرية الاعتقاد والتعبير، وبقوانين تساوي بين المواطنين، وبخطاب ديني وفكري يرفض احتكار الحقيقة.
كما تحتاج إلى مؤسسات داخل الجماعات نفسها تسمح بالنقاش والمراجعة والمحاسبة، لأن الجماعة التي تستطيع نقد نفسها تكون أقل قابلية للتحول إلى تنظيم مغلق.
الخاتمة
التطرف ليس أن يؤمن الإنسان بعقيدة قوية، وليس أن يدافع عن مبادئه بحزم، وإنما أن يعتقد أن امتلاكه للحقيقة يمنحه الحق في إلغاء الآخرين.
وهنا تكمن المسألة الجوهرية:
المشكلة ليست في العقيدة، بل في تحويل العقيدة إلى أداة لاحتكار الحقيقة وإلغاء الإنسان.
فكل جماعة، مهما كانت عقيدتها أو هويتها أو شعاراتها، تصبح متطرفة عندما تضع نفسها فوق النقد، وتعتبر المختلف عدوًا، وتبرر إقصاءه أو اضطهاده أو قتله باسم قضية مقدسة أو هدف مطلق.
أما المجتمع السليم، فهو الذي يستطيع أن يجمع بين الإيمان والاختلاف، وبين قوة العقيدة واحترام الإنسان، وبين التمسك بالمبادئ والاعتراف بحق الآخرين في أن تكون لهم مبادئ مختلفة.
وفي النهاية، لا يكون انتصار المجتمع على التطرف بإلغاء العقائد، بل بإرساء قاعدة بسيطة وحاسمة:
لكل إنسان الحق في أن يؤمن بما يشاء، وليس لأحد الحق في أن يفرض إيمانه على الآخرين بالقوة.
إبراهيم الدن

