ليست المشكلة التي تواجه الكيان الصهيوني اليوم في عدد الصواريخ التي يمتلكها، ولا في تفوقه التكنولوجي، ولا حتى في حجم ترسانته العسكرية التي ما تزال تُعد من الأكثر تطوراً في المنطقة. فالكيانات السياسية لا تدخل مراحل القلق الاستراتيجي عندما تضعف جيوشها فقط، بل عندما تبدأ البيئة الدولية والإقليمية التي منحتها تفوقها التاريخي بالتغير من حولها.
وهذا تحديداً ما تكشفه القراءة المتأنية للإعلام العبري الصادر في العشرين من تموز/يوليو 2026. فبعيداً عن العناوين الصاخبة واللغة التعبوية، تبرز في صحف مثل «زمان إسرائيل» و«معاريف» و«القناة 12» و«القناة 14» ملامح سؤال وجودي يتردد بين السطور أكثر مما يُقال صراحة: إلى أين يتجه الكيان الصهيوني في ظل عالم يتغير بسرعة، وإقليم لم يعد يخضع للمعادلات التي حكمته طوال العقود الماضية؟
لقد اعتادت تل أبيب أن تبني استراتيجيتها على ثلاث ركائز ثابتة: دعم أمريكي غير محدود، واحتكار شبه مطلق للتفوق العسكري، وبيئة عربية وإقليمية منقسمة. غير أن هذه الركائز الثلاث تبدو اليوم أقل صلابة مما كانت عليه في أي وقت مضى.
عندما تتغير واشنطن
التحول الأهم لا يأتي من الشرق الأوسط، بل من واشنطن نفسها.
فالولايات المتحدة، التي كانت تنظر إلى أمن الكيان الصهيوني باعتباره جزءاً من أمنها القومي المباشر، باتت اليوم تعيد رسم أولوياتها الاستراتيجية على إيقاع المنافسة مع الصين في المحيطين الهندي والهادئ. ولم يعد الشرق الأوسط مركز الثقل في الحسابات الأمريكية، بل تحول تدريجياً إلى ساحة ينبغي إدارتها بأقل قدر ممكن من الكلفة السياسية والعسكرية.
وتكشف النقاشات المتزايدة داخل الكونغرس، والجدل حول المساعدات العسكرية، أن الإجماع الأمريكي التقليدي حول الكيان الصهيوني لم يعد محصناً كما كان. فالأجيال السياسية الجديدة، والتحولات داخل الحزب الديمقراطي، وصعود تيارات تدعو إلى تقليص الالتزامات الخارجية، كلها مؤشرات إلى أن العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب تدخل مرحلة مختلفة عنوانها الشراكة المشروطة لا الالتزام المطلق.
وبالنسبة إلى الكيان الصهيوني، لا يمثل هذا التحول مجرد نقاش مالي حول مليارات الدولارات، بل يمس إحدى أهم ركائز عقيدته الأمنية منذ قيامه.
إيران… حرب الصبر لا حرب الانفعال
في المقابل، تبدو إيران، وفق ما تعكسه التحليلات العبرية نفسها، أكثر ميلاً إلى إدارة الوقت منه إلى استهلاكه.
فطهران لا تبدو مستعجلة على خوض مواجهة شاملة، بل تعتمد سياسة النفس الطويل، فتوزع أدواتها بين الردع العسكري، والحركة الدبلوماسية، وإدارة ساحات الاشتباك، مع مواصلة تطوير قدراتها الاستراتيجية.
وهنا يكمن مصدر القلق الحقيقي داخل الكيان الصهيوني؛ إذ إن المواجهة لم تعد محكومة بمنطق الضربة والضربة المقابلة، بل أصبحت صراعاً على الزمن، وعلى استنزاف الخصم سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً.
وتخشى الأوساط العبرية أن يتحول الانشغال بالتوترات اليومية إلى غطاء يسمح لإيران بمواصلة تطوير برنامجها النووي بعيداً عن دائرة الاهتمام الدولي، وهو ما تعتبره تل أبيب التهديد الأكثر حساسية على المدى البعيد.
تركيا… خصم جديد بمعايير مختلفة
أما المفاجأة التي تفرض نفسها في الخطاب العبري، فهي التحول المتسارع في النظرة إلى تركيا. فأنقرة لم تعد، في نظر عدد متزايد من المحللين الإسرائيليين، شريكاً سابقاً يمر بخلاف سياسي عابر، بل قوة إقليمية تعمل على إعادة رسم موازين القوى في شرق المتوسط وسوريا ولبنان، وتسعى إلى بناء شبكة من التحالفات السياسية والقانونية والدبلوماسية لمواجهة السياسات الإسرائيلية.
وهذا التحول يفرض على تل أبيب تحدياً من نوع مختلف؛ لأن المنافسة هنا لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد إلى الاقتصاد، والطاقة، والدبلوماسية، والتحالفات الإقليمية، وهو ما يجعل إدارة الصراع أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
الداخل… الحلقة الأكثر هشاشة
لكن ربما يكون التحدي الأكبر الذي يواجه الكيان الصهيوني اليوم داخلياً قبل أن يكون خارجياً.
فالانقسامات السياسية، وأزمة تجنيد الحريديم، وتراجع الثقة بالمؤسسات، واتساع الاستقطاب داخل المجتمع الإسرائيلي، كلها عوامل تجعل أي أزمة أمنية تتحول سريعاً إلى أزمة حكم.
ومن هنا، لا يبدو مستغرباً أن تربط بعض التحليلات العبرية بين التصعيد الإقليمي والحسابات السياسية الداخلية، في ظل حكومة تواجه استحقاقات انتخابية وضغوطاً متزايدة للحفاظ على تماسك ائتلافها.
غير أن التاريخ يعلمنا أن استخدام الحروب أو الأزمات الأمنية كوسيلة لإدارة الانقسامات الداخلية قد يمنح الحكومات وقتاً إضافياً، لكنه لا يعالج الأسباب العميقة للأزمة.
الكيان الصهيوني إلى أين؟
هذا هو السؤال الذي لم يعد مطروحاً خارج الكيان الصهيوني فقط، بل داخل مؤسساته السياسية والإعلامية أيضاً. فالمشهد الذي ترسمه الصحافة العبرية لا يوحي بانهيار وشيك، كما لا يسمح بالحديث عن استقرار طويل الأمد، بل يشير إلى مرحلة انتقالية تتآكل فيها المسلمات التي حكمت التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي لعقود.
فالدعم الأمريكي لم يعد مطلقاً كما كان، وإيران تواصل بناء معادلاتها بهدوء، وتركيا تتحرك بثقة متزايدة في فضائها الإقليمي، بينما تتعمق الانقسامات السياسية والاجتماعية داخل الكيان الصهيوني نفسه.
إن أخطر ما يواجه الكيانات السياسية ليس وجود خصوم أقوياء فحسب، وإنما فقدان اليقين الذي بُنيت عليه استراتيجياتها. وعندما تبدأ التحالفات التقليدية بالاهتزاز، وتتغير خرائط النفوذ، وتتراجع القدرة على فرض الوقائع كما في السابق، يصبح التفوق العسكري وحده غير كافٍ لضمان الأمن أو الحفاظ على المكانة الاستراتيجية.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق الذي تعكسه النقاشات الدائرة اليوم داخل الإعلام العبري؛ فالكيان الصهيوني لا يواجه أزمة سلاح، بقدر ما يواجه اختباراً لقدرته على التكيف مع شرق أوسط يتغير، ونظام دولي يعيد توزيع موازين القوة، وعالم لم يعد يمنح أحداً ضمانات دائمة.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يستطيع الكيان الصهيوني إعادة صياغة موقعه في هذا المشهد الجديد، أم أن الاعتماد المتكرر على القوة العسكرية لإدارة الأزمات سيؤجل الاستحقاقات من دون أن يبددها؟ فالإجابة عن هذا السؤال قد لا تحدد مستقبل هذا الكيان وحده، بل قد تسهم في رسم ملامح المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط بأسره.

