اعادت زيارة الرئيس جوزيف عون إلى البيت الأبيض النقاش حول إطار الاتفاق بين لبنان ودولة العدو بوساطة واشنطن الى بداياته بين اللبنانيين نتيجة الاختلاف العامودي الحاد حوله، لا سيما في ظل ما رشح عن ملفات طُرحت خلال اللقاء، وفي مقدمتها قضية سلاح المقاومة ومستقبل العلاقة مع الثنائي الوطني والقوى الوطنية الرافضة للتفاوض المباشر. ويرى منتقدو الزيارة أن ما حملته من رسائل سياسية يعكس توجهًا يبتعد عن منطق التوافق الداخلي، لا بل يقترب أكثر من مقاربة تنسجم مع الأولويات الأميركية في المنطقة.
ففي بلد لا يزال يعاني نصف شعبه من عمليات الإبادة البشرية والعمرانية الجارية دون وقف لإطلاق النار في الجنوب ولا يزال يعاني كل شعبه من أزمات اقتصادية وسياسية غير مسبوقة، كان كل هم سلطته السياسية انجاز زيارتها الى البيت الأبيض ولقاء الرئيس الأميركي لتربط نفسها أكثر بالراعي الأميركي ورغباته في المنطقة وهو الداعم الأكبر اليوم للعدو.
في الرحلة التي قام بها الرئيس تلبية لدعوة البيت الأبيض ورافقها الكثير من الانتقادات ان في الشكل او في الهدر باعتبارها كانت اشبه بالاستجمام الخاص وأيضا ما رافقها من مهانة لا تتعلق بشخص رئيس السلطة وحسب، بل بموقع البلد، وفيما اعتبر البعض الزيارة ذات طابع تاريخي رآها فريق اخر لا يستهان به محط اذلال وتنازل.
وإذ يبدو جليا ان ما يهم رعاة الاتفاق هو التخلص من المقاومة، كأداة قوة ومنعة للبنان باستهداف اضعافه وجعله مطواعا امام الإملاءات الخارجية، فأن ما يعني اهل الأرض ورافضي الانصياع دون تثبيت حقوق لبنان، أولا بانسحاب العدو وثانيا وقف إعطائه الامتيازات تلبية لرغبة المهرولين الى قطار الابراهيمية.
ان سياسة الاستجابة للأولويات الخارجية على حساب المصالح الوطنية، تجعل البلاد على صفيح ساخن بعد الاستمرار في سياسة تعميق الانقسام الداخلي عبر الضغط على فريق لبناني لمصلحة فريق آخر، وإزاء توقف كل الدعوات لحوار شامل يراعي هواجس الجميع ويؤسس لرؤية مشتركة حول مستقبل الدولة.
وإذا كان الداعمين للزيارة سعيا للحصول على دعم دولي وإعادة بناء علاقات لبنان مع المجتمع الدولي، فهذا لا يلغي حق المعترضين في التساؤل عن أسباب التنازلات السياسية والخطاب المفاقم للانقسام الداخلي.
في النهاية، يبقى نجاح أي رئيس لبناني مرهونًا بقدرته على جمع اللبنانيين لا تعميق خلافاتهم، وعلى حماية القرار الوطني من أي ضغوط خارجية، مهما كان مصدرها. أما الرهان على الخارج لحسم القضايا الخلافية، فقد أثبتت تجارب لبنان المتكررة أنه لا ينتج حلولًا مستدامة، بل يؤجل الأزمات ويزيدها تعقيدا لا سيما وان الحرب الدائرة على لبنان هي حرب وجودية ولا تنفع معها مساعي واشنطن والعدو بجعلها حرب على فريق لبناني دون سواه.
في المقابل تبدو جلية سياسة ازدواجية المعايير التي تعتمدها السلطة ومؤسساتها من خلال قرار القضاء بتوقيف الإعلامي حسن عليق، بناء على انتقاده الدولة السعودية على سياستها ضد اليمن بينما تحفل المنصات بانتقاد إيران وكذلك التحبب الى قادة العدو واعلامييه دون تحريكهم ساكن رغم القانون الذي يحرم أي تواصل.
ما جرى ليس عابرا في مسار الحريات العامة في لبنان. بل هو يوحي بتوجه السلطة السياسية لاستغلال القضاء من اجل قمع الحريات بدل تعزيز النقاش الحر والحفاظ على حرية التعبير التي لطالما ميزت لبنان «نطاق ضمان للفكر الحر» وهي ركيزة أساسية لنظامه الديمقراطي، في المقابل اين القضاء عن محاسبة اعلاميين يفتحون هواء مؤسساتهم ومنصاتهم بكل وقاحة لآراء تلتقي مع العدو؟ وهل ألغي لبنان من دستوره صفة العدو عن العدو الإسرائيلي؟ وهل بات أي رأي مخالف لأراء دولة صديقة للسلطة اللبنانية مدعاة للسجن؟ من المهم تثبيت ما يلي :ليكن واضحا للسلطة وزبانيتها ان كسر عنفوان أصوات رافضي التطبيع وداعمي المقاومة لا يمكن ان يتم بالصيغة الجارية، لان شعبا يواجه عدوا مدعوما بكل الدعم اللوجستي والمالي ولا تنكسر ارادته هو شعب لا تهزمه لا تهويلات ولا عقوبات .


