لماذا يشعر الواحد منا بأن صاعقة جامحة تخترق كل ذرة من وجوده عندما يفجعنا خبر رحيل شخص حبيب لا يُعوّض؟
الغرابة في ذلك الشعور اللاإرادي أننا كنا ننتظر الخبر: نعرف، نراقب، نسأل، نقلق، نتأمل، ونتوقع المحتوم! غير أننا نتمسك بالأمل المخادع أمام وضع صحي صعب ندرك جميعاً مآتيه.
ومع ذلك ينهكنا النبأ. ينقض علينا الموت ليذكرنا بأننا كلنا على درب وحيدة. “ناس بتودع ناس”، كما كان يقول أبي الذي غادرنا قبل سنوات من دون أن أودعه بسبب البعد الجغرافي.
الوداع مع الرفيق الراحل الدكتور عطا السهوي إمتد على سنوات، وكان مؤلماً بقدر ما كان كاشفاً. هو الطبيب وهو المريض، وهو الذي يعرف قدرات الجسد البشري. ولم يرد أن يكون وداعه على حساب الصورة الناصعة التي عرفناه بها.
عرفت الرفيق عطا منذ سنوات قليلة، ومعه بالذات لا يكون للزمن دور في نشوء الصداقات، وإنما تتأسس العلاقات الوثيقة من خلال العمل والتفاعل والحوار والإنتماء والإيمان بأننا نعمل لمشروع أكبر من أي فرد أو جماعة!
“جمعية الهلال الخصيب”، والرفيق عطا أحد مؤسسيها في مدينة تولوز الفرنسية، كانت خطة اجتماعية ثقافية إيديولوجية ولّدت متحداً قومياً يهدف إلى لمّ شمل مواطنين شردتهم المنافي واستشرت بينهم العداوات. ومن هذه النقطة بالذات بدأنا رفقاء بريطانيا النشاط مع رفقاء فرنسا… فإذا بصورة مضيئة للنشاط القومي الاجتماعي عندما تتضح الرؤية.
في تولوز كان الرفيق عطا السهوي، وكان الرفيق فرنسوا نعمة، وغيرهما من الرفقاء والمواطنين. أدهشني الرفيق عطا في أحد لقاءاتنا بطلب لا ألقى مثله في العادة: دراسة ومراجع عن الشاعر السوري ديك الجن الحمصي! الطبيب والرفيق والإداري والمثقف الأديب… هي الصفات التي أحلت عطا مقاماً مميزاً بين الرفقاء وفي متحده الاجتماعي.
الآن غاب عطا، وقبله رحل فرانسوا، وقبلهما ربيع الحايك… ولم يشبع الموت بعد، ولن يشبع أبداً.
إننا نعمل للحياة ولن نتخلى عنها، حتى ولو حرقت الصاعقة خفقات قلوبنا.

