الجنوب بين التخاذل واللاءات

تمادت السلطة اللبنانية في تنازلاتها وفي خذلانها لشعبها الى الحدود القصوى، فكانت زعزعة الواقع الوطني والشعبي ابلغ الدلالات لانقسام المجتمع.

تمادت فشكلت هي والبروباغندا الإعلامية المدمرة للروحية الوطنية، ثنائياً متناغماً، فجعلت من المقاومة سبباً أساسياً لخراب لبنان، بدل ان يكون العدو المعتدي والطامع هو السبب، وجعلت من المقاومة سبب انهيار الاقتصاد اللبناني وافقار الناس وخراب المؤسسات، غافلة عن واقع سياسي وهو الفساد في السلطة والذي لم تستطع السلطة القائمة إيقاف استشرائه، ولا تمكنت من حل مشكلة البنوك والمودعين الذين افقرتهم السياسة المالية.

تمادي هذا الحال من التجهيل أوصل جزء من اللبنانيين الى اعتبار العدو الإسرائيلي بريء من المطامع التاريخية والأيديولوجية، بل هو «جار» لا مطامع له عندنا وإذا لم نبادره بالعنف لا يبادلنا بالحروب.

انها السردية التي تدفعها السلطة اللبنانية في مواجهة اهل الأرض الجنوبيين، واهل الحق بالصراع من اجل حقوقهم وارزاقهم ودفاعاً عن بيوتهم وأسرهم.

تلة علي الطاهر« كانت محور الاهتمام هذا الأسبوع، بين فريق رضي طوعاً ان يكون أداة بيدّ نتنياهو ومشاريعه اليوم وقبلاً، فعندما وافق على الانصياع للتفاوض المباشر مع العدو، شكل رافعة داخلية له وهو المطالب من شعبه، بإنجازات لحروبه، وخارجياً امام الرأي العام الذي يدينه كما المحكمة الجنائية، بتهمة الإبادة في غزة فساعده التفاوض المباشر على تحسين صورته. والان بقبوله كلام الاعلام الإسرائيلي عن تلة علي الطاهر، يرضى طوعا ان يكون اداة عند نتنياهو عسى يرفع ذلك أسهمه امام منافسه ايزنكوت في انتخابات الكنيست

وهكذا كان خطير جدا موضوع «تلة علي الطاهر»، وأدى ذلك الى انقسام كبير بين الشعب اللبناني فهلل البعض وانشرح وفرح بالرغم من عدم وجود ايه صور تؤكد ذلك، كما رفض قادة في جيش العدو تبني معلوماته، فيما اعتبر الخبراء ان الأكثر صحة هو السيطرة النارية على محيط التلة نتيجة استمرار الطيران بضربها طيلة الأشهر السابقة. ويبقى انه في العلم العسكري لازالت مقولة (وصلت، رأيت، وانتصرت) التي تعود لقيصر روما هي التي تعتمد عند القادة العسكريين في تحديد النصر ام الهزيمة.

لقد ركبت السلطة مركب التفاوض المباشر، لأنها اعتبرت انها بالديبلوماسية تستعيد الأرض، الإشكالية التي يصعب استيعابها ان العارفين بتاريخ هذا العدو منذ انشائه كيانه على ارض فلسطين، ليستوطنه الشتات اليهودي في العالم، هو دولة مستمرة في عصيان مواثيق الأمم المتحدة ولا زالت دون حدود واضحة وتعلن صراحة خريطتها بإنشاء شرق أوسط جديد، ورغم ذلك تجد في السلطة اللبنانية وجزء من الشعب، من يصدق مزاعمها.

يعلن نتنياهو «جانكيزخان اهم من المسيح »، ويستمر قادته بارتكاباتهم في الجنوب كما في غزة، يقتلون ويدمرون ويجرفون البلدات والقرى، ليس جانكيزخان قدوتهم بل أيضا الملك الجرماني «اثيلا» ايضاً، المعروف عنه ان جحافل جيشه تقوم بحرق وتدمير كل شيء يعيق تقدمه في عنجهية قاتلة، وأرسل مرة الى الامبراطور الروماني مبعوثه الخاص برسالته ويقول «سيدي وسيدكم اثيلا، أمرني ان اخبركم بأنكم ستقومون بأعطائه نصف امبراطوريتكم وابنتكم لتكون زوجته».

كل أفعال هؤلاء الطغاة يفعلها الكيان وداعمته الولايات المتحدة الأميركية، ولا يزال في السلطة اللبنانية من يعتقد بحلول ديبلوماسية، وبفك ارتباط لبنان مع الدول الإقليمية الداعمة للمقاومة.

ماذا بعد والقرى تجرف؟ ماذا بعد وأطفال لبنان وعرائسه طعام لسلاح العدو وترسانته المدعومة من الجيش الأميركي لوجستياً ومخابراتيا؟ ماذا بعد والتفجيرات   بالطيران للبنى التحتية والمؤسسات الرسمية والصحية والتربوية، وبعد بنت جبيل والطيبة وحولا انتقلت مجازر الهدم الى المنصوري وبني وحيان وكفرمان وزوطر وغيرها من البلدات ومجدداً تختلف اراء اللبنانيين عن حدود الاحتلال للأرض هل سيكون الخط الأصفر ام الرمادي؟

ربما يلتبس الامر عند السلطة وجزء من اللبنانيين كما اسلفت القول، لكن الثابت ان اهل الأرض لن يفرطوا بذرة تراب ولاءات الرئيس بري واضحة وهي لاءاتهم عينها لا تفاوض مباشر ولا مناطق تجريبية ولا مناطق عازلة او تسويات تنتقص من السيادة، اللبنانية.

لن نقبل المقاومة ان تتنازل بعد كل التضحيات ورغم كل التهويل العسكري والأمني والضغوط التي وصلت بالأمس الى دق الاسفين بينها وبين الجيش اللبناني، رغم سياسة كم الافواه، والضغوط الاقتصادية، والضغوط على النازحين واهل البيوت المدمرة. فما يشغل المقاومة اليوم هو استمرار تكبيد العدو بالخسائر ودوام ردعه وعملية الشقيف مؤخرا ابلغ نموذج لاستمرار اعمالها.

وفيما تصرّ السلطة على اخذ جانب الوسيط الأميركي وتخبطها في عدم قدرة الوسيط انتزاع التنازلات من العدو، تصر المقاومة على التغلب على جراح بيئتها بالصبر، لذا ينتظر السلطة استحقاقات كثيرة منها انتهاء اعمال اليونيفيل ومن البديل؟ وترسيم الحدود عبر أي منطقة عازلة او أي خطوط انسحاب؟ ثم ايضاً ماذا عن المطالب المتصاعدة اميركياً بالتفاوض مع المقاومة نفسها بموضوع السلاح!!  وماذا عن خيارات نتنياهو بحرب واسعة يشنها إذا ما شعر ان الانتخابات ليست لمصلحته؟

اما إصرار المقاومة وأهلها، فهو صلب كما الصخر، ويشبه إصرار اهل غزة الباقين رغم استمرار الإبادة.

هو شعبنا الثابت في مقاومته يقول مع سعاده «لو قضوا على مئات منا لما تمكنوا من القضاء على الحقيقة التي تخلد بها نفوسنا».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *