مناقشة «انطون سعادة: رؤيا«

منذ أن امسكت بكتاب الدكتورة صفية أنطون سعادة (أنطون سعادة، رؤيا)، لم أستطع تركه، فقد اخذتني الدكتورة صفية ـ وبسرعة البرق وقوة نوره ـ إلى عالم اخر، عالم الإنسانية والزعيم الانسان، عالم الحقيقة، عالم الجمال والادب، عالم العقل والتاريخ والجغرافيا.

اخذتنا الدكتورة صفية إلى عالم أنطون سعادة، الغائب الحاضر، الاب، الحنون، الصادق، المفكر، القوي، صاحب العقيدة المحكمة البناء، صاحب عزة النفس العظيمة، الشهيد، المظلوم، اه منها ماذا فعلت؟!!! دقت جرس الوعي الذي أعاد اكتشافه الزعيم، ولكن كيف فعلت ذلك بنا صفية الانسانة وصفية الدكتورة؟

كتبت(وابدعت) أدب علمي واقعي ارتبط بالزعيم وتلك اللحظة البشعة التي ترتب عليها اعدامه غدرا من مرتزقة الغرب المادي، وهذا اولا.

اما ثانيا، فأعلمتنا وبصدق عفوي ـ صفات الزعيم وأخلاق شخصيته ونفسيته العظيمة، وخصوصا في تلك اللحظة المأساوية التي خلق لها، فهو يؤدي رسالة إنسانية عظيمة حملها له القدر وهذا تستنتجه من الذي كتبه مصطفى النبالي الذي رافق الزعيم في أيامه الأخيرة، وكان ـ مصطفى ـ خريجا جديدا من الجامعة الامريكية، وأصبح اهله لاجئين في طول كرم.

وثالثا، تستطيع وبكل بساطة ان تسبر اغوار شخصية الزعيم وارتباطها بالجغرافيا قبل التاريخ، مع وعي عميق مميز وذكاء المعي وارادة قوية فولاذية، اكتملت هذه الشخصية بنصفها الاخر، زوجته، الامينة الاولى جولييت المير سعادة التي تملك كذلك نفسا عزيزة، ووعيا بدورها في الحياة، دون أن تعبأ باي شيء سوى بحبها الخالد، ودورها العظيم على مسرح الحياة، كام وزوجة زعيم يحمل ضمير أمة طال نومها. (انظر وصف مصطفى النبالي لوجه جولييت، يصفه بالصبوح الذي يحمل نظرات القلق على حبها الابدي وزعيمها، وهي تسأل النبالي عن الوضع في تلك اللحظات المأسوية، تلك النظرة القلقة التي اكتمل قلقها بالحزن الطاغي الذي ظهر في عيونها في تلك الصورة وهي في الدير عندما علمت بمقتل الزعيم، تلك النظرة الحزينة المحطمة وهي تنظر إلى صغيراتها، اعتقد ان هنالك من لا يحب أن يرى هذه الصورة أو يصدق انها حقيقية!!!

اما رابعا، فتأخذك صفية (الدكتورة الان) الي التحليل العلمي الدقيق والواقع للعقيدة الاجتماعية السورية بالبعد العلمي المصاحب للأخلاق، وفيه الرد الشافي والواضح على تهم مزيفة مثل نسبة أفكار الزعيم إلى العقيدة النازية أو التمسك بنقاء السلالة لا بل فيه الرد على من قال بأن شعار الزوبعة هو تقليد للصليب المعكوف النازي، بينما هو شعار الأرض الطاهرة بوحدة الهلال والصليب. (وكان شعار الثورة المصرية سنة ١٩١٩هو الهلال وفي قلبه الصليب).

وخامسا، في رؤيا الدكتورة صفية، رد واضح علمي مبسط وسلس لفكرة الدولة والقومية والاشتراك مع فكرة العروبة والفرق بينهما، وكذلك الفرق بين الهيئات التمثيلية والديمقراطية التعبيرية والمعبرة عن فكرة التحرر من العبودية.

اما سادسا وليس اخرا، فالدكتورة صفية (وسميت على اسم صفية زغلول زوجة الزعيم المصري سعد زغلول والتي تولت عائلة خليل سعادة بعد وفاة زوجته السيدة الجليلة نايفة، وكان الدكتور خليل قد انتقل للقاهرة من لبنان بضغط من العثماني وتنفيذا لأمر الفر نساوي، وقد رافق الإمام محمد عبده الذي طلب منه ترجمة إنجيل برنابا.) ، اقول ان الدكتورة صفية أبدعت واحسنت في ربط الفكر القومي للزعيم مع ما يجري اليوم ففكر الزعيم هو المفسّر لما يحري اليوم من احداث، وخصوصا فكرة الصراع الديني والطبقية والاثنية، وفكرة وحدة الساحات ومقاومة المادية الغربية ممثلة في إسرائيل ومعها الطائفية والعنصرية والعصبية الدينية القبلية، وهو ربط علمي واضح سلس يخضع لقاعدة علم الاجتماع الشهيرة وهي:(ان الحاضر مثقل بالماضي، فمن أراد أن يعرف ما هو آت، عليه أن ينظر إلى ما مضى.)

هذا غيض من فيض من تلك الرؤيا التي أبدعت في رسمها الدكتورة صفية الامينة على هذا الكنز النادر الذي يحاولون اما سرقته أو طمسه وكانوا يظنون ان مفتاح هذا الكنز في تلك القلادة التي وضعها الزعيم في عنق صغيرته صفية وتمت سرقتها في الاعتداء الغاشم على منزلها ولكنهم (أبناء المادية الغربية) فاتهم ان مفتاح هذا الكنز هو العقل الذي ايقظه الزعيم وربطه بالوعي هذا العقل سيعود بفعل عقيدة الزعيم الحية الباقية وهذا العقل الواعي هو من سيفتح مغارة الكنز ليخرج سوراقيا ويعيدها الي مكانها الطبيعي كقائدة وفاعلة بين الأمم فالحياة عقيدة وجهاد.

هاني لوباني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *