لم يعد سراً، ولا حتى تنبؤاً، أننا انتقلنا إلى عالم جديد على ظهر هذه الكرة الأرضية القرية، المسماة تحبباً «دنيا»، لم يستأذننا أحد ..! وحتى لم يخبرنا، بأنه علينا الانتقال إلى عالم جديد، تضع معالمه وأولوياته، الاجتماعات البشرية الأكثر قوة، بحكم إنتاجيتها الفائقة والمتراكمة من العالم السابق، وهذا وإن كان ينذر بتغيّر موازين القوى، سيبقى الضعيف في مكانه يراوح، بين اجترار الماضي، ولوم الآخرين على تهاوي أخلاقهم، دون أن ينتبه إلى مكانته الإنتاجية، التي لا تحل ولا تربط، ويمكن الاستغناء عنها تكتيكياً واستراتيجياً، دون أن تتأثر سيرورة هذا العالم، إلا ببعض حوادث الابتزاز، أو ما يسمى حالياً إرهاباً، ويمكن توظيفه واستثماره، في نوعيات عنف ترتد على أصحابها، أكثر مما تؤثر في تأدب الآخرين، أو تجعل منهم أكثر احتراماً لقيمهم هم. وعلى هذا كيف يمكننا النظر إلى واقع حالنا، أو السؤال عن كيفية رؤيتنا لأنفسنا، رؤية حقيقية، معايرة إلى الإنجاز الحقيقي لمشاركتنا البشرية أراضيها ودنياها، هذه الرؤية التي تقيّم، حركتنا في عالمين قريبين زمنياً، أي بعد الحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية، حيث تم اقتسامنا بين المنتصرين في المرتين المتواليتين، كمناطق نفوذ لا قوام اجتماعياً لها، تقوم بممارسة ما هو مخطط لها من قبل المنتصر، وكأسواق للسلع البسيطة للاستهلاك، حيث غرقنا في الاستيراد، لدرجة أنه يمكن تهديدنا بالجوع والعطش والعتمة، في حال طُبقت علينا المقاطعات المتنوعة، لنكتشف أننا ورغم كل الشعارات الطنانة، أننا لا أحد بمعايير هذا العالم، وهكذا تنفجر المذابح الأهلية البينية، من دون أية ردة فعل ولو إنسانية على ذلك ( الكثير منا يتذكر ردة فعل بيل كلينتون على مذابح رواندا)، لا أحد يتوسط، لا أحد يهمه ما يفعل هذا الطرف بالآخر، من مذابح أو تجويع أو تركيع، وهذا ما يمكن تسميته بالإهمال العقابي، بحيث «تترك» للإناء كي ينضح بما فيه، وهي عملية على الرغم من خبثها، إلا أنها سليمة بموازين القوانين، حيث يمكنهم القول، أنتم لا تريدون استعمار، فلنترككم وشأنكم، تتذابحون، ثم تتراكضوان إلينا لبحث إمكانية مساعدتكم على ذبح بعضكم، أوليس هذا ما حصل في الصومال والسودان وليبيا والجزائر ولبنان والعراق وسوريا؟!.
لا يستطيع العالم إهمال الكثير من البلدان عقابياً، لآنها بلدان منتجة، ليست بحاجة إلى قروض ومساعدات ومنح، يلتهمها الساسة وأمراء الحرب قبل التمكن من استثمارها، هذا من ناحية، ومن نواح أخرى يكون العالم بحاجة إلى منتجات هذه البلدان، ولا يستطيع شطبها من قوائم التعاون، فماذا يمكننا القول عن أنفسنا؟!، وما هي الورقة التي نمتلكها لنصبح ضروريين للعالم جديده وماضيه القريب؟!، ليس لدينا إلا الموقع الجغرافي، وأخلاقنا السامية التي يجب على العالم أن يتعلم منها ( لننظر بتأمل إلى مسألتي رواندا والسودان، ولنبحث عن جواب)، ولكن منظومتنا الأخلاقية المدعاة لا تكفي للعيش في ظلال عوالم متجددة، ( تجربة الهجرة واللجوء مثالاً)، وليست بضاعة مغرية للتبادل المعرفي، ولم تنتج حتى الآن سوى أنواع مقاومة للعلاج من الفساد والإفساد، والكثير من المذابح هنا وهناك، والفشل في إدارة الموارد، والقعود عن التنمية كونها مهمة الآخرين ورسالتهم الديموقراطية إذا كانوا صادقين!!!، هكذا تبدو صورتنا في أية مرآة، يمكن للمبصر أن يراها، دون الحاجة لسرد امثلة مترامية العدد، فيها من الغرائبية الدرامية بما يتجاوز، عمليات المخابرات الأميركية والصينية مجتمعة.
الإهمال العقابي… هو ترك هذا الاجتماع البشري أو ذاك ليأكل نفسه، فهل ينتبه ؟ .. لا لن يتنبه، فالبنية الحقوقية لهكذا اجتماعات لم تكن كافية للعيش في عالمي ما بعد الحربين العالميتين، فكيف سينتبه الآن، ويواجه التخلف المتجذر في هذه البنية، انطلاقاً من هذه البنية، عقود طويلة لم تنجز هذه البلدان شيئاً لنفسها، فكيف ستنتج ما يكفي لدفع ثمن اشتراكها المتساوي مع أعضاء سكان «الدنيا»، ما سوف تقدم، وهل تعرف ماذا تريد أن تأخذ؟ لقد تجاوز محنة هذه البلدان مشكلة المعرفة، فهي لا تدري حتى يومنا هذا من هي وكيف هي، ولا تعرف إلا انتظار المساعدات كي تهدرها، إما فساداً أو شح في المعرفة، حيث يبدو لها الإهمال العقابي إستقلالاً، والحروب الأهلية انتصاراً للحق ( وليس للصواب على أية حال)، والفاقة هي إفتداء للقادة العظام، إنها حالة الويل، فالعالم القادم هذه المرة، يعرف تماماً من نحن وكيف نحن.

