إن الأزمة التي يعيشها لبنان اليوم ليست مجرد تداعيات عابرة لمواجهة عسكرية على حدوده الجنوبية، ولا مجرد كبوة اقتصادية أو أمنية طارئة، بل هي لحظة كشف هيكلي لمفهوم الدولة ووظيفتها. حين تتحول السيادة إلى مجرد نصوص معلقة في الدساتير، ويُدار القرار الوطني وفق حسابات الإملاءات الخارجية، يتجاوز التهديد حدود المناكفات السياسية ليمس العصب الحيوي للكيان الوجودي برمته.
الهزائم الكبرى لا تُقاس حكماً بعدد الشهداء ولا بحجم الركام الذي تخلفه آلة الحرب، بل تُقاس باللحظة التي تنكسر فيها هيبة الدولة، وتتآكل قدرتها على المبادرة، وتغدو شؤونها الداخلية ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
صمت بيروت وصوت الحدود: اختبار الكيان في الجنوب
في جنوب لبنان، تتجاوز الحقيقة كل الخطابات الإنشائية وبيانات الإدانة الرمادية. هناك، حيث تحكي حجارة القرى المهدومة وعيون الأهالي الصامدين قصص الفقد والصمود، يتشكل واقع مغاير تماماً لجمود الصالونات السياسية في العاصمة. ينتظر آلاف اللبنانيين العودة إلى قراهم وإعادة إعمار ما دمرته الاعتداءات، وسط إحساس متزايد بأن الجنوب يُترك مجدداً ليواجه قدره منفصلاً عن مؤسساته الرسمية.
إن تأخر الحضور الرسمي عن القيام بواجبه الوطني في إغاثة أهله، وبسط سلطته، وقيادة عملية إعادة الإعمار، ليس مجرد تقصير إداري؛ إنه استقالة سياسية تفتح الباب واسعاً أمام فرض معادلات جديدة على الأرض. فكل يوم يمر دون وجود فاعل وميداني للدولة، يُرسّخ واقعاً جغرافياً وسياسياً قد يصبح من المستحيل تغييره مستقبلاً، ويضاعف الشعور الشعبي بأن السيادة أصبحت كلمة تُستهلك في المحافل، وتغيب تماماً عند الاستحقاقات المفصلية.
ارتهان القرار الوطني: من احتجاز الإرادة إلى سيف العقوبات
لا يمكن فصل ما يجري اليوم على الحدود الجنوبية عن المسار التاريخي لتراجع الاستقلال السياسي في بيروت. فمنذ حادثة احتجاز رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري في الرياض عام 2017، كُشف النقاب عن حجم الضغوط الممارسة على القرار اللبناني، وأثبتت الأيام أن مؤسسات السلطة باتت تعاني من هشاشة متزايدة في مواجهة التدخلات الخارجية.
واليوم، مع تصاعد سياسة الضغوط النفسية والاقتصادية، والعقوبات التي تستهدف شخصيات ومكونات لبنانية، يعود السؤال الإستراتيجي ليطرح نفسه بقوة: هل ما يزال القرار الوطني يُصنع في بيروت؟
إن انشغال بعض القوى السياسية باسترضاء العواصم النافذة وتقديم أوراق الاعتماد للخارج على حساب المصلحة الوطنية العليا، نقل لبنان من موقع الدولة الذاتية القرار إلى موقع المتلقي والمنفذ. وعندما تتحول العواصم الخارجية إلى شريك في رسم الأولويات الوطنية، تفقد السلطة شرعيتها الأخلاقية والسياسية، وتتحول من أداة لإدارة الأزمات وحلها إلى جزء أصيل من المشكلة نفسها.
جدلية المقاومة والدولة: الردع لا يعفي المؤسسات من مسؤوليتها
أثبتت التطورات الميدانية أن المقاومة، وعلى الرغم من كلفة التضحيات وحجم الخسائر، ما تزال تُشكل عنصر الردع الأساسي في وجه الاعتداءات الخارجية، وأن حاضنتها الشعبية تمتلك إرادة صمود متجذرة. غير أن هذه الحقيقة الميدانية لا يجوز بحال من الأحوال أن تُستغل كذريعة لإعفاء الدولة من واجباتها أو لتبرير صمتها.
المقاومة والدولة ليسا خيارين متعارضين في المفاهيم الإستراتيجية لبناء الأوطان:
- المقاومة: تصد الاعتداءات وتفرض توازنات الردع الميدانية.
- الدولة: هي الإطار الجامع الذي يحمي هذه الإنجازات، ويصون كرامة المواطنين، ويحول التضحيات إلى مكاسب سياسية وسيادية مستدامة.
إن غياب الدولة القوية يجعل التضحيات الشعبية عرضة للاستنزاف في التجاذبات السياسية الضيقة. وجود المقاومة لا يلغي الحاجة إلى الدولة، بل يجعل الحاجة إلى مؤسسات رسمية شجاعة وقادرة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، حتى لا تُترك الجبهة الداخلية مكشوفة أمام الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية.
البوصلة التاريخية: من إسقاط اتفاق 17 أيار إلى حماية الدستور
تستحضر اللحظة الراهنة محطات مفصلية من تاريخ لبنان الحديث، وفي مقدمتها الدور التاريخي لرئيس مجلس النواب نبيه بري في إسقاط اتفاق 17 أيار 1983. لقد كانت تلك المحطة مؤشراً صريحاً على أن الإرادة الوطنية القادرة على رفض الإملاءات الإقليمية والدولية هي الوحيدة الكفيلة بصون عروبة لبنان وسيادته المستقلة.
إن التذكير بتلك المحطة ليس مجرد استعادة للتاريخ، بل هو تثبيت لمعادلة حيوية: أي مسار سياسي أو أمني يمس مستقبل لبنان أو ترتيبات حدوده يجب أن يمر حتماً عبر المؤسسات الدستورية الوطنية النابعة من الإرادة الشعبية، لا أن يُفرض تحت وطأة التهديد، أو توازن القوى الإقليمي، أو الضغوط المباشرة.
يقف لبنان اليوم على مفترق طرق لا يحتمل المواربة. فإما أن تستعيد الدولة زمام المبادرة، وتخوض معركة فرض حضورها في الجنوب وفي كل شبر من أرضها، وتثبت أن قرارها ينبع من مصالح شعبها، وإما أن يستمر الانزلاق نحو الارتهان الكامل، حيث تتلاشى الحدود الفاصلة بين السيادة والوصاية.
السيادة ليست نصوصاً تُتلى، بل هي فعل دفاع وإعمار وبناء للقرار المستقل. وما لم تُستعد هذه الإرادة في مركز القرار في بيروت، سيظل الجنوب يتكلم بلغة الدم والألم والصمود، بينما يدفع الوطن بأكمله ثمن هذا الغياب الرسمي القاتل.


