بين التصعيد والتفاوض: إلى أين تتجه المنطقة؟

تشهد المنطقة والشرق الأوسط وبلادنا مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية والاستراتيجية، فيما يبدو أن الصراع الأميركي ـ الإيراني دخل مرحلة جديدة عنوانها إعادة رسم قواعد الاشتباك أكثر منه البحث عن حسم نهائي. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى انهيار مسار التفاهم بين واشنطن وطهران باعتباره محطة تتيح لكل طرف إعادة تحسين شروطه التفاوضية استعداداً للجولات المقبلة، لا إعلاناً لانتصار طرف أو هزيمة آخر.

فالمرحلة السابقة من التفاهم الأميركي ـ الإيراني لم تكن سوى حلقة ضمن مسار طويل من الصراع. فقد ساهمت في تخفيف بعض جوانب التأزم بالنسبة للإدارة الأميركية، ومنحت إيران هامشاً سياسياً واستراتيجياً أوسع، لكنها لم تعالج جذور الخلاف ولم تنه حالة الاشتباك الممتدة بين الطرفين. ومن هنا، فإن غياب النتائج الحاسمة يعني أن جذوة الصراع لا تزال قائمة، وأن نار المواجهة ما زالت تحت الرماد، قابلة للاشتعال وفق حسابات المصالح وتوازنات القوى.

وفي المقابل، تبدو قدرة الولايات المتحدة على فرض معادلة جديدة بمفردها موضع تساؤل. فالجغرافيا الإيرانية المعقدة، وتشابك شبكة العلاقات الإقليمية والدولية لطهران، يجعلان أي مواجهة مفتوحة خياراً بالغ الكلفة. كما أن المواقف الأوروبية، وحتى داخل حلف شمال الأطلسي، لا تعكس حماسة كبيرة للانخراط في مغامرات عسكرية واسعة، الأمر الذي يعكس وجود تباينات متزايدة داخل المعسكر الغربي حول كيفية إدارة الصراع.

هذه المعطيات تفتح الباب أمام قراءة أوسع للمشهد الدولي، إذ أن العالم يشهد تحولات متسارعة باتجاه نظام أكثر تعددية، مع صعود قوى دولية وإقليمية تسعى إلى توسيع نفوذها ومنافسة الولايات المتحدة على مواقع التأثير. وإذا كانت ملامح هذا التحول لم تستقر بعد، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن البيئة الدولية لم تعد تشبه تلك التي أعقبت نهاية الحرب الباردة.

أما على مستوى المنطقة، فإن انعكاسات الصراع الأميركي ـ الإيراني تبدو أكثر تعقيداً من أن تُختزل في نتائج عسكرية مباشرة. فالولايات المتحدة لا تزال تسعى إلى الحفاظ على موقعها الجيوسياسي ومجال نفوذها التقليدي، إلا أن تطورات السنوات الأخيرة أظهرت أن المنطقة تدخل تدريجياً مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى اذ أن إحدى النتائج المبكرة للمواجهة الأميركية ـ الإسرائيلية مع إيران تمثلت في الحد من قدرة واشنطن على فرض إرادتها بصورة منفردة، ولكن، من المبكر الجزم بحدوث تحول استراتيجي دائم.

وفي السياق نفسه، واجه المشروع الإسرائيلي تحديات كبيرة رغم ما حققه من مكاسب عسكرية وأمنية بعد أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر وما تلاها. فقد اصطدم بمقاومة عنيفة في أكثر من ساحة، ولا سيما في جنوب لبنان، كما فرضت مصالح القوى الإقليمية، مثل تركيا والسعودية ومصر وغيرها، معادلات تتقاطع أحياناً وتتعارض أحياناً أخرى مع الرؤية الإسرائيلية لمستقبل المنطقة. كذلك، أدى اتساع الجدل الدولي حول الحرب إلى زيادة التدقيق العالمي في السياسات الإسرائيلية، وأسهم في إحداث تحولات ملحوظة في اتجاهات الرأي العام في عدد من الدول.

وفي الولايات المتحدة، لا يمكن إغفال أثر النقاشات السياسية الداخلية، ولا سيما التصريحات الصادرة عن كبار المسؤولين والسياسيين بشأن طبيعة العلاقة مع إسرائيل ومستقبل الانخراط الأميركي في أزمات الشرق الأوسط. وتكتسب هذه المواقف أهمية إضافية مع اقتراب الانتخابات النصفية، لما قد يكون لها من تأثير في رسم أولويات السياسة الخارجية الأميركية خلال المرحلة المقبلة.

وعلى ضوء هذه المعطيات، يبدو أن المنطقة مقبلة على مرحلة من التوتر والتأزم، إلا أن هذا التوتر قد يبقى، في المدى المنظور، ضمن حدود مدروسة، بحيث يلجأ كل طرف إلى توجيه ضربات محسوبة تهدف إلى تحسين موقعه التفاوضي أكثر من السعي إلى حرب شاملة يصعب احتواء نتائجها.

أما سيناريو الانفلات الكامل، فرغم أنه لا يبدو الأكثر ترجيحاً، فإنه يبقى الاحتمال الأكثر خطورة، إذ ستكون تداعياته كارثية ليس على الشرق الأوسط فحسب، بل على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية.

وفي هذا الإطار، يبرز سؤال جوهري: هل بدأت الاندفاعة الأميركية نحو فرض معادلاتها الإقليمية بالتراجع؟ وهل يعكس ذلك بداية انحسار النفوذ الأميركي على المستوى الدولي؟ الإجابة عن هذين السؤالين لا تزال رهناً بتطورات المرحلة المقبلة، غير أن بعض المؤشرات تدفع إلى الاعتقاد بأن العالم يدخل مرحلة انتقالية قد تشهد إعادة توزيع لمراكز القوة، فيما قد تسهم نتائج الانتخابات الأميركية المقبلة في توضيح اتجاه هذا المسار.

أما في لبنان والشام (سوريا) وفلسطين والعراق، فإن التطورات الداخلية ستظل مرتبطة إلى حد بعيد بمالات الصراع الأميركي ـ الإيراني ـ الإسرائيلي وقدرة المقاومة على احداث توازن نسبي وتثبيت معادلة الصمود، إلى جانب قدرة مجتمعنا والقوى السياسية   فيه على مواجهة تحدياته الداخلية. فالاستقرار لن يتوقف على التوازنات الخارجية وحدها، بل يرتبط أيضاً بمدى النجاح في التصدي للأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمالية، وفي إدارة الانقسامات السياسية، والتعامل مع القضايا الخلافية، بما فيها مشاريع التقسيم أو الفيدرالية أو التطبيع، وفق الرؤى المختلفة المطروحة داخل كل مجتمع.

تبقى المرحلة دقيقة ومفتوحة على احتمالات متعددة، بين التصعيد والتهدئة، وبين الصدام والتفاوض. وما يبدو ثابتاً حتى الآن هو أن المنطقة تقف على أعتاب تحولات كبرى ستعيد رسم ملامحها السياسية والأمنية، فيما ستبقى موازين القوى وقدرة الفاعلين المحليين والإقليميين على التكيف مع هذه التحولات عاملاً حاسماً في صياغة مستقبل بلادنا والمنطقة برمتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *