مرض التعصب الطائفي والتجارة في الدين عبر العصور!

حذّر الزعيم أنطون سعادة في مقالاته من مثل: «دم الغوغاء والفتن الدينية»، من أن «النعرَات الطائفية» أصبحت سلاحًا بيد الاستغلاليين من جميع المذاهب وذلك من أجل تفريق الشعوب وإضعاف مناعتها أمام الأطماع الخارجية، كما قال:

لا يصان الوطن بعقلية القوميّة الدينية والقضايا الرجعية، بل بالنهضة القومية الإجتماعية.  وقال أيضا: الدّين وجد لتشريف الحياة لا لإذلالها.

ومع ذلك نجد المتديّن يذلّ ذاته بدل أن يسموَ بها رافعا عينيه إلى السماء بدل الخنوع والاستسلام، مكتفيا بالقشور بدل اللّباب كما يقول الأدبي الكبير ميخائيل نعيمة.

لم يصغِ الإنسان إلى صوت العقل والمنطق والإنسانية الحقّة في تعاليم المفكرين السّامية، بل فضّل أن يستسلم إلى نوازع العنف والجهل والقتل في داخله. سلك الإنسان صاحب الضمير الأعمى والمقبور دروب الموت المظلمة فأخذ يتقوقع ويسجن ذاته في سجون الحقد الطائفي.

 يقول المفكر سيمون بلاكبورن في كتابه بعنوان Think)  فكر)

الذي يبدأ بعشق الدين المسيحي أكثر من الحقيقة، سوف يواصل حياته وهو يعشق مذهبه أو كنيسته، أكثر من عشق المسيحية وحينها ينتهي به المطاف أن يعشق نفسه أكثر فأكثر من أي شيء آخر.

في كتابه القيّم «الدولة المؤجلة»، وبعد استفاضة في العرض والتوثيق والتحليل والتشريح، يخلص الدكتور عاطف عطيّة، إلى التالي :

«لا تظهر الطائفية كأساس لنظام سياسي – اجتماعي متقدّم وحضاري في لبنان ، بل تظهر بالفكر والممارسة، كحالة مرضيّة اقرب ما تكون إلى الإدمان».

والطائفية كما يعقّب أيضا الكاتب والمفكر إبراهيم مهنا هي:

حالة مرضية أقرب ما تكون إلى الإدمان، وهي تقوم أيضا على مركّب انفعالي لتسعير الخوف حيث تتحول إلى انعزال اجتماعي، كما تلجأ إلى العقل لخلق أيديولوجيا تبريرية، تنتهي بسلوك وراثي اجتماعي يساهم في الانشطار الاجتماعي الأفقي والعامودي الذي نعيشه.

الأخطر في السلوك البشري هو أن الطائفية والعنصرية صنوان والطائفي يتعامل مع عنصريته كالنعامة عندما تتعرض إلى خطر، تدفن رأسها في التراب وهي تظن أنه إذا لم ترَ أحدا فهذا يعني أنها بأمان.

المشكلة في مؤسسات الأديان أنها تتخطى التداعيات التي تتأتّى جرّاء ذلك التعصب وتلك الطائفية القاتلة، إنها آفة رجال الدّين والتجارة بروحيّة الدّين، إنها الهالة التي فرضت نفسها عبر العصور، والاستبداد المتجذّر، إذ تحوّل الدّين إلى تجارة مربحة منذ فجر التاريخ وظهور الأديان وبداية بناء المعابد، حين أخذ المؤمنون يتهافتون لتقديم الذبائح والمال والجواهر الكريمة لكسب رضا الآلهة لتكون النتيجة تدفّق الثروات على الكهنة والقيّمين على هذه المعابد.

في مصر القديمة كان كهنة فرعون الطبقة الأكثر ثراءً بين طبقات الشعب هي التي تحتكر كل كبيرة وصغيرة.

في معبد دلفي في اليونان جُعلت خزينة الدولة (أي ما يشبه المصرف المركزي في أيامنا) في هذا المعبد بالذات لتكون الثروة في حماية الآلهة!

 نعثر في الإنجيل على أمثلة كثيرة من هذا القبيل، مثل: لا تعبدوا ربّين الله والمال، وهنالك قصة الأرملة التي تضع فلسين في صندوق التقديمات في الهيكل فتتعرض للسخرية والتنمّر على قلّة ما تتصدق به، ولكن القرش إلى جانب الآخر يصنع ثروة: « أليست بيوت الأموال إلا الدرهم إلى جانب الدرهم» كما قال الجاحظ في كتاب البخلاء..

المعادلة هي كالتالي في كل زمان ومكان؛ فقراء يعضّهم الجوع بنابه ومع ذلك يبذلون للمعبد القرش الوحيد الذي بحوزتهم والفقراء في العالم بالملايين ونتيجة ذلك، يزداد رجال الدين يوما بعد يوم ثراءً ليصبح فاحشا مع الزمن.

لم يعد رجال الدين في عصرنا يخفون ثرواتهم فهم يمتلكون الشقق والمعامل والمصانع والمحال التجارية والشركات والثروات على أنواعها وعلى عينك يا تاجر !!…

ولكن مهلا هذه الظاهرة لا تطال فقط الأديان التوحيديّة فهي أيضا موجودة لدى الأديان الأخرى في الهند مثلا والدليل على ذلك ما روي عن قصة معبد سري بادمانابهاسوامي، Sree Padmanabhaswamy Temple في ولاية كيرلا جنوب الهند، ففي سنة 2011 أمرت المحكمة العليا الهندية بفتح الأقبية السريّة في المعبد لتقييم ممتلكاته. من المعروف أن بناء هذا المعبد يعود إلى القرن الـ 16 وقد شيّده ملوك مملكة ترافا نكور، وكان يُعتقد أنهم أخفوا ثروات هائلة خلف جدرانه.

عثرت الشرطة على غرف سريّة فيها ذهب وفضة وأحجار كريمة متراكمة لأكثر من قرن. كما كشفت التقديرات، غير الرسمية إن القيمة تصل إلى أكثر من 25 مليار روبية هندية أي ما يوازي 500 مليون دولار، وبعض التقديرات وصلت لمليارات الدولارات.

كان هذا الكنز الهائل تحت إدارة عائلة المهراجا المالكة سابقاً، لكن المحكمة سحبت منها حصرية الإدارة كما عيّنت لجنة حكوميّة.

تساءل البعض لماذا كانت هذه الثروة من تبرعات الحجاج عبر مئات السنين، مخبأة في أقبية ويمنع على أي كان الوصول إليها؟

 بعد الاكتشاف عززت الشرطة الحراسة حول المعبد بشكل دائم خوفاً من السرقة.

ثمة قضية ثانية حديثة مماثلة: حصلت سرقة في معبد رام ما ندير في أيوديا، قبل أسابيع وأثارت ضجة سياسية كبيرة حيث قام بعض الأشخاص باختلاس تبرعات نقدية وذهب وفضة قدمها الحجاج للمعبد. هذا المعبد هو مشروع كبير لرئيس الوزراء مودي وافتتحه سنة 2024، فصارت الفضيحة محرجة سياسياً للحزب الحاكم التابع لرئيس الوزراء مودي.

يحتار المرء حين يشاهد كل هذه الثروات في بلد تخطى عدد سكانه المليار ونيّف حيث يعيش فيه أكبر عدد من فقراء العالم والمعابد مكدّسة بالذهب والكنوز!

في كلّ مكان وزمان لم يكن الدين ورجال الدين سوى وسيلة تفرقة وسرقة عملوا لملء الجيوب وخداع القلوب تحت ستار الغفران ومحو الذنوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *