شهدت سوريا خلال الأيام الماضية سلسلة من التطورات الأمنية والسياسية التي تعكس استمرار التحديات الداخلية، بالتزامن مع تصاعد الضغوط الإقليمية المرتبطة بالملف اللبناني.
فقد واصلت الأجهزة الأمنية التابعة لحكومة الجولاني حملاتها ضد الخلايا التي تتهمها بالوقوف وراء التفجيرات الأخيرة، وأعلنت استمرار عمليات الدهم والاعتقال بحق مشتبه بانتمائهم إلى تنظيم داعش أو بتقديم الدعم اللوجستي له، مع استمرار التحقيقات الأمنية التي بدأت عقب الهجمات التي استهدفت العاصمة، وتشير السلطات إلى أن هذه العمليات تهدف إلى منع تنفيذ هجمات جديدة وإعادة فرض الاستقرار الأمني.
فيما استمرت السلطات في ملاحقة مسؤولين سابقين متهمين بارتكاب “انتهاكات” -حسب زعم سلطة دمشق- خلال مرحلة حكم الرئيس السابق بشار الأسد، حيث أُعلن عن توقيف عدد من الأشخاص في إطار ملفات العدالة الانتقالية، في خطوة يراها مراقبون أنها استمرار للانتهاكات الطائفية التي مارستها سلطات الجولاني منذ توليها السلطة في دمشق وخاصة بعد اعتقالها لأشخاص خرجوا من عملهم قبل عام 2011 ولم يكونوا في مسؤوليات عسكرية وبالأخص الأطباء وعلى رأسهم مدير المشفى العسكري السابق في حمص الذي تجاوز عمره الثمانين ما يعني أنه متقاعد من اكثر من 15 عام.
وفي المنطقة الوسطى تم اغتيال شاب في قرية حورات عمورين التابعة لمحافظة حماه على يد مجموعة تابعة للسلطة الحالية وكانت هذه المجموعة قد قتلت أخاه سابقاً ويروي بعض أبناء المنطقة أن هذا الشاب يربطه قرابة بعائلة الشابة روان الأسعد التي تم الإعتداء عليها أثناء عودتها من العمل في العام الماضي دون الوصول إلى الفاعلين.
في الجنوب السوري، بقيت محافظتا السويداء ودرعا في دائرة الاهتمام الأمني، فرغم انخفاض وتيرة الاشتباكات مقارنة بالأسابيع الماضية، لا تزال المنطقة تعيش حالة من التوتر، مع استمرار الانتشار الأمني وملاحقة مجموعات مسلحة ومطلوبين، وسط تحذيرات من هشاشة التفاهمات المحلية وإمكانية انهيارها في أي وقت.
أما في البادية السورية وشرق البلاد، فقد واصلت القوات الحكومية عمليات التمشيط ضد خلايا من أسمتهم تنظيم داعش، التي ما تزال تعتمد أسلوب الهجمات الخاطفة والكمائن، الأمر الذي يدفع المؤسسة الأمنية إلى اعتبار التنظيم التهديد الأمني الأكثر خطورة داخل البلاد في المرحلة الحالية.
أما إقليمياً، طغى الحديث عن لبنان على المشهد السوري بعد تجدد الضغوط الأميركية، فقد عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى طرح فكرة قيام دمشق بدور في مواجهة حزب الله داخل لبنان، وهو ما أثار نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، إلا أن الجولاني نفى قبوله هذه الطروحات، مؤكداً أن سوريا لا تنوي إرسال قوات إلى لبنان أو الانخراط في مواجهة عسكرية هناك، وأن أولويتها هي إعادة بناء الدولة وترسيخ الأمن الداخلي.
وفي هذا السياق، اكتسبت زيارة وزير خارجيته أسعد الشيباني إلى لبنان أهمية خاصة، إذ أكد خلالها أن دمشق تسعى إلى بناء علاقة جديدة مع بيروت تقوم على التعاون واحترام السيادة، كما أشار إلى أن سوريا منفتحة على الحوار مع مختلف الأطراف اللبنانية إذا اقتضت المصلحة، نافياً أن يكون ملف إرسال قوات سورية إلى لبنان مطروحاً على جدول الأعمال، في حين رأت أطراف أخرى أن هذه الزيارة تأتي في سياق التحضيرات التي تقوم بها دمشق تزامناً مع الحشد الذي تقوم به لقواتها على الحدود بين البلدين بانتظار أن يتم السماح لهم باتخاذ هذه الخطوة، ولم تكن هذه الزيارة إلا لشد العصب مع مؤيدي الجولاني وخلاياهم الموجودة في لبنان عموماً وطرابلس على وجه الخصوص.
تبقى جميع السيناريوهات مفتوحة على كل الاحتمالات ويكون الفصل فيها لمن له الكلمة العليا على سلطة دمشق بين ترامب الذي يسعى بكل جهده لدخول الجولاني بالوكالة عن الكيان لضرب المقاومة في لبنان وتركيا التي لا تريد خسارة مكاسبها التي تحصلت عليها في سوريا بهذه المغامرة ما لم تأخذ ضمانات حقيقية بعدم مساعدة إيران للمقاومة أو على الأقل ضمان عدم ضرب سوريا من قبلها في حال حدوث هذه المغامرة التي قد تؤدي إلى سقوط نظام الجولاني الذي تتحكم به تركيا بشكل كامل، وهذا ما يعني خسارتها بشكل كبير لهذه السلطة ولتحكمها في دمشق بشكل كبير إن لم يكن خسارة نهائية، وهو ما لا تقبل به تركيا بشكل قاطع.
سومر الفيصل

