«إسرائيل» تتسلل إلى ماليزيا والرئيس الماليزي بالمرصاد

في وقت تخلت فيه معظم الدول العربية عن القضية الفلسطينية وعن دعم الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية، نجد دولة آسيوية كبرى تتمسك بالقضية الفلسطينية وتدعمها بقوة، وترفض الاعتراف بالكيان الصهيوني، وتحظر دخول حاملي جنسيته إلى أراضيها، فضلاً عن منع السفن المتجهة إليه من موانئها.

منذ أواخر عام 2024 دعا البرلمان الإندونيسي المجتمع الدولي إلى العمل على إخراج «إسرائيل» من عضوية الأمم المتحدة، سعياً لعزلها دولياً عقاباً لها على جرائمها بحق الفلسطينيين، واستمرار تورطها في الإبادة الجماعية بحقهم منذ أكثر من عام.

إنها ماليزيا التي ترفض إقامة أي علاقات دبلوماسية مع «إسرائيل»، لا بل تحظر سلطاتها دخول مواطنيها إلى أراضيها وتتعهد بترحيلهم. رئيس حكومتها أنور إبراهيم لطالما أكد تمسك بلاده بالنهج التاريخي الثابت بفلسطين رغم التهديدات وضغوط بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي. وفي موقف تاريخي أعلن أنه بكل وضوح يعارض همجية «إسرائيل» وقمعها واحتلالها. وكانت الولايات المتحدة الأميركية هددت بفرض عقوبات على ماليزيا على خلفية مطالبات 8 أعضاء في الكونغرس الأمريكي بوقف واشنطن مساعدات التدريب العسكري لماليزيا، وبتوجيه إنذار لحكومتها لتغيير ما وصفوه «معاداة السامية» خلال 15 يوماً واصفين تصريحات رئيس الوزراء الماليزي بترحيل «الإسرائيليين» بالعنصرية. كما طالب هؤلاء بمراجعة العلاقات الاقتصادية والأمنية مع كوالالمبور، واعتبروا عدم الاعتراف بإسرائيل «أمراً مزعجا»، وذهبوا إلى اتهام ماليزيا بتدريب مقاتلي حركة «حماس» عسكرياً، مما أثار حفيظة الماليزيين ونشطاء المنظمات الماليزية غير الحكومية ودفعهم إلى تنظيم احتجاجات أمام السفارة الأميركية في كوالالمبور.

إلى جانب المواقف الرسمية الماليزية المناهضة للكيان الصهيوني ثمة تحركات على المستوى الشعبي تعبّر عن الموقف نفسه. في هذا السياق تقوم عشرات المؤسسات في ماليزيا بتنظيم مظاهرات تحت شعار «ماليزيا تنهض من أجل فلسطين»، وسط دعوات من قبل آلاف المتظاهرين إلى رفع الحصار عن قطاع غزة وتنفيذ قرارات المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بجرائم الإبادة الجماعية وتنديدهم بما يعتبرونه شراكة أميركية كاملة في جرائم الحرب «الإسرائيلية» على غزة، مطالبين بمقاطعة الشركات العالمية التي تتعامل مع الاحتلال الصهيوني.

وتأكيداً على نهج حظر وجود «إسرائيليين» على الأراضي الماليزية قال أنور إبراهيم في منتصف تموز الجاري إن جميع الأجهزة الأمنية المختصة تجري تحقيقاً شاملاً في مزاعم رصد «إسرائيليين» داخل بلاده، مؤكداً أن أي «إسرائيلي» يضبط سيرحل فوراً. وكانت ماليزيا أغلقت مشاريع ومشتبهين في اختراقات تقنية واستثمارية استخدمت كغطاء لحاملي الجنسية «الإسرائيلية».

فخلال الشهر الحالي كشفت معلومات نقلاً عن مؤسسات أهلية مناصرة للقضية الفلسطينية أن ثمة «محاولات اختراق إسرائيلية» في ماليزيا من خلال توفير شركة أمريكية تعمل في مجال التعليم والصناعات التقنية المتقدمة غطاء لدخول حَمَلة الجنسية «الإسرائيلية» للبلاد بجوازات سفر دول أخرى. وحذرت هذه المؤسسات من «مشروع صهيوني تحت غطاء الاستثمار في التكنولوجيا» في ولاية جوهور المحاذية لسنغافورة. هذا المشروع تقيمه شركة «نتورك سكول» التي تعمل في مجال صناعات التكنولوجيا المتقدمة، ويديرها رجل الأعمال الأمريكي، الهندي الأصل، بالاجي سيريفاسان المعروف بعلاقاته الوطيدة ب «إسرائيل» واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، ويقدم المشورة لشركة «ستارك وير»، وهي شركة تشفير «إسرائيلية». كما يدعم الشركات الناشئة المدمجة في نظام التكنولوجيا «الإسرائيلية».

عشرات المؤسسات الماليزية اتهمت هذه الشركة بالعمل نيابة عن شركات تابعة للاحتلال «الاسرائيلي»، بهدف «تسلل صهيوني إلى الساحة الماليزية»، ما دفع مسؤولين ماليزيين إلى مطالبة البرلمان بتشكيل لجنة للنظر في المشروع و«مخاطره الأمنية». التحقيقات في هذا الموضوع قادت إلى إعلان الحكومة الماليزية إلغاء تراخيص عمل شركة «نتورك سكول»، وتأشيرة دخول مديرها بالاجي سيريفاسان، بينما قال رئيس دائرة الجمارك الماليزية إن السلطات تبحث عن 19 أجنبياً لا يعرف إن كانوا داخل البلاد أو أنهم غادروها، موضحاً أن هؤلاء الأجانب هم من بين 430 شخصاً مسجلين على قائمة العاملين في شركة «نتورك سكول»، وبينهم نحو 210 ما يزالون داخل البلاد بينما غادرها 201 منهم.

الخطورة في هذا المشروع تكمن في أنه يشكّل تهديداً لأمن ماليزيا القومي، وهو ليس إلا «نسخة عن مشاريع صهيونية مثيرة للجدل» في الأرجنتين وألبانيا، ومحاولة «إسرائيلية» للتسلل إلى ماليزيا عبر صناعة رقائق أشباه الموصلات التي ازدهرت خلال الأعوام الأخيرة في ماليزيا.

وبحسب البيانات التي نشرتها عشرات المنظمات الماليزية، فإن المشروع يُقام على مساحة 1.370 هكتارا، تجاوزت تكلفته 100 مليار دولار، لكنه تحول إلى مدينة أشباح. وكان يهدف المشروع إلى إقامة «تجربة تقنية صهيونية في منطقة تتمتع بحرية تجارية ولا تخضع للقوانين الماليزية التي تحظر التعامل مع إسرائيل».

في المحصلة تبقى مواقف الرئيس الماليزي مثالاً لمواجهة المشاريع الأميركية الداعمة للكيان الصهيوني في القارة الآسيوية، ولتسلل «إسرائيل» عبر مشاريع مشبوهة إلى بلد لا يعترف بها ويمنع مواطنيها من الدخول إليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *