التغيّر هو سنة الكون، لأنه الوسيلة الأولى للبقاء والاستمرار، وهو كذلك من مسببات السعادة وإطالة الأعمار في الدنيا على ظهر هذا الكوكب التافه مقارنة مع الكون، أما نحن المحشورون في هذا التقاطع الجغرافي الخطر، المسمى بلاد آشور (بلاد العراق والشام)، فنبدو وعلى الرغم من مرور العلوم والمعارف أمام أعيننا ومن تحت أنوفنا، ولكننا لا نتأثر ولا نتغيّر، معلنين تأسفنا من الإقدام على هكذا فعلة نكراء، استناداً إلى الحق بحرية التفكير والتعبير، بالركون إلى ثوابت ترفض العلوم والمعارف أولاً، ما يتأتى عنه ثبات في الحالة الاستنقاعية التي تسمى بالمجاز تخلفاً.
هل حقاً نريد أن نلحق بركب العصر الحالي أو أي عصر قادم؟ ليس من الصعب الإجابة على هذا السؤوال بلا، فمنذ ولادة بلداننا على يدي سايكس وبيكو، طرحت مئات المسائل التي تحتاج إلى حلول بشرية، ولكنها ظلت عالقة في صمت ما بعد السؤال، فمجرد النطق بكلمات أولى عن الحلول، يخرج إليك السيافون، لذلك ودرءً للمشاكل، يتنازل الشعب عن حاجته للتغيير، ويركض منافقاً جلاديه بمظاهرات مليونية وأيضاً سميت بالمجاز مسيرات، والتي لما نزل نراها بكل فخر وعزة، وكأننا هواة اجترار قمع وإنذلال، لم يخرج إلينا نحن الشعب إلا السيافون، كي يعلمونا أن الأوضاع تغيّرت وعلينا الانصياع للشكر، واستغلال التغيير لصالح الاتغيير، طبعاً هؤلاء السيافون ليسوا بغرباء فهم أبناء جلدتنا ومنّا وفينا، معلنين إنتزاع حق عدم التغيّر عنوةً، وغصباً عن القاصي والداني، فقطع الكهرباء (مثالاً) هو مطلب شعبي، ينحاز بفطرته لاستخدام الجلّة، نظراً لإصالتها وثباتها في الوجدان الإنساني، مع إمكانية مستقبلية لتشغيل البراد والغسالة بل والطائرة أيضاً، إذا استمرينا في البحوث العلمية ( المرفوضة مبدئياً) وتكللت بالنجاح، وقتها يمكننا إستبدال الجلّة بالكهرباء التي هي بالأصل بترول وغاز وسدود وشلالات وطاقة نووية سلمية، ولكن الثبات يقدم لنا طاقة “نبيلة”، وهنا لو كررنا السؤال: هل نريد أن نتغير، فالإجابة الحقيقية، هي كلا، فلماذا العبث إذا.
يغريني افتراض أننا نريد أن نتغيّر، وأوافق عليه بافتراض جدلي، فينبع سؤال مؤلم آخر. هل نستطيع؟ هل نستطيع أن نتغيّر حتى لو حدثت الإرادة؟. الجواب كلا أيضاً، فتقنيات الغيير غائبة، وهي تقنيات غير مشخصة تعمل بطاقة الوجدان والضمير، وهي مسائل تربوية فاتنا وقت طويل دون أن نلجأ إليها، مما خلف فراغاً ، ملأه الرقباء والسيافون ومطبلي الإعلام، لدرجة أصبحنا لسنا بحاجة إلى ضمير إنساني، لإن مسؤوليتنا عن وطن فيه مواطنين قد فرّغت من معناها، وترك الأمر بين يدي مالئي الفراغ، و البدء بعملية تشغيل هذه التقنيات يحتاج إلى إزالة هؤلاء، وهذا أمر يلحقنا بالخيانات العظمى حسب «دساتيرنا»، وهنا نتحول بقدرة قادر إلى إهزوجة الأمل المضلل، مثل البلاد لا تخلو، وسيأتي يوم و..إلخ، من هكذا ترقيعات، لنلمس فعلياً أننا لا نستطيع التغيّر، فنذهب إلى تشييد قبر لأنفسنا، قبر يشهد القاصي والداني بجماله وجلاله، يعلن عن استمرارية لا نهائية لنا، مع استغناء حقيقي عن السعادة.
المشكلة الأهم في التغيير، هي في سؤال، نحو الأسوأ أم نحو الأحسن؟ كل المؤشرات بما فيها مؤشرات الاستقلال عن الأجنبي، تقول أننا ذهبنا نحو الأسوأ، دون إرادة أو استطاعة، فقد استخدمنا ما لدينا من تقنيات تربوية محلية، ونجحنا في تحقيق أرقام قياسية في إنجازات مثل التعذيب والرشوة والسرقة والاعتقالات غير القانونية، والاختفاء القسري، والإعدام الميداني وإلى سلسلة طويلة لا إنسانية وغير تحضرية، صنعنا منها منهاجاً تربوياً يصنع المعجزات.
التغيير يبدأ بالاستثمار بالإنسان كإمكانية مجتمعية بعيدة عن القسر والإذلال والخوف، هذا هو معنى الوطن أن لا تكون خائفاً على الأقل، ولكي تكون مطمئناً، علينا بالتحضر وإرساء تربية تبعث المشاركة والمساءلة، دون خوف ودون الحاجة إلى الشجاعة، كي تستطيع رؤية مأ أمامك من معيقات والإسراع إلى مقاومتها بدءً من إعلانها والمساءلة حولها، وهذه مسألة تربوية لا تحلها أفرع المخابرات ولا المحاضرات الإرشادية حول أمور الآخرة، فها نحن في هذه الدنيا نتسابق مع الفائزين بامتلاك تقنيات العيش والبقاء والاستمرار بسعادة ورفاه، فإذا كانت مسافة الفارق كبيرة علينا تدبر أم ردمها مهما كانت خسائر التربوية الثوابتية كبيرة، وإلا سوف نستمر في إنتاج التخلف واستهلاكه دون تنظيف أو طهي، هكذا كما هو. فلننعم بوجبات التخلف الأصالية ولننظر إلى منظرنا صاغرين.

