في نشأة الدولة الحديثة ومآلاتها (الحلقة الثانية)

الدولة وتوازن القوى

لم تُولد الدولة، عبر التاريخ، دفعة واحدة، ولكنّها نشأت من رُكام السلطة، ومن تراكمات الشرعية، ومن محاولات البشر لإنشاء ميزانٍ بين القوّة والحقّ، بين الحاجة إلى الضبط والخوف من الاستبداد؛ ولقد ظهرت بصيغٍ أولية في حضارات الرافدين ومصر، وتبلورت في الإمبراطوريات الكبرى، وتشكّلت مجددًا في الدولة القومية الحديثة، مرورًا بتحوّلات عميقة أفرزتها الحروب، والنهضات، والثورات. (أنظر للتوسع كتاب «السلطة السياسيّة»، جان وليام لابيار، ترجمة: إلياس حنّا إلياس: 5 ــ 27)

فالدولة لم تكن دائمًا انعكاسًا لعقدٍ اجتماعي، ولا جسدًا قانونيًّا متماسكًا، ولا كيانًا محايدًا؛ بل كانت- في كثيرٍ من أطوارها- تعبيرًا عن توازن قوى، أو تعبيرًا عن غلبة، أو عن تمركز حضاريٍّ توسّعي؛ فالدولة الرومانية كانت إمبراطورية تجسّد الانضباط والتراتبية؛ والخلافة الإسلامية الأولى كانت خلافةً رساليةً تنبني على الوحي والتكليف؛ والدولة الحديثة أعادت تعريف الإنسان بوصفه «مواطنًا» وُلد في ظلّ القانون لا خارجه، فباتت القالب المعياري الذي تُقاس عليه شرعية الكيانات، وتُبنى فيه الأنظمة، وتُرسم عبره الخرائط وتُمنح الجنسيات وتُصاغ القوانين.

وقد حمل مفهوم الدولة الحديثة في بنيته تصوّرًا معيّنًا عن الإنسان والعالم؛ إنسانٌ يُعرَّف بالمواطنة لا بالعقيدة، وبالهوية الوطنية لا الرسالية، وعالمٌ يُدار بالتوازنات وليس بالقيم، وتُرسم فيه السياسة بمداد المصالح بعيدًا عن منطق النبوّات.

ومع تعميم هذا النموذج؛ باتت الدولة الحديثة المصفاة التي تمرّ منها كل حركة إصلاحية أو تغييرية، فمن أراد أن يُحدِث أثرًا وجب عليه أن يُفكّر داخل الدولة لا خارجها، وأن يُفاوض الدولة لا أن يتجاوزها، وأن يعبُر من بابها وليس من حدودها الهشّة.

وهكذا لم تُعد الدولة الحديثة مجرّد خيار بين خيارات، بل صارت الإطار الذي يُصاغ العالم اليوم من داخله، والآلة التي تُعيد إنتاج الإنسان ضمن منطقها، وموازينها، وشروطها. (أنظر للتوسع كتاب «علم الاجتماع السياسي»، بيير برو: 106 ــ 132).

لم يعد الحاكم يتّكئ على الحقّ الإلهي، ولم تعد السيادة تنبع من الماوراء، بل تأسست الفكرة على مركزية الإنسان بوصفه صانعًا للعقد، ومنتجًا للشرعية، وحاكمًا باسم الإرادة الجمعية.

وهكذا، لا يسعنا تصوّر أيّ إصلاح فعلي خارج نطاق الدولة لأنّ نفي الأخيرة يعني تمهيد الطريق أمام الفوضوية: «طالما أمسك المرء بطرفي المعادلة، بأخلاقية الدولة وباجتماعياتها، فإنه يعمل على تهذيبها، ومتى تخلّى عن الأخلاق ساعد على توحّشها. كلما تخارجت الواقعية والطوباوية تركّزت السلطانية، وكلما تقاربت وامتزجت اتّجهت الدولة نحو الشرعية». (راجع قراءة في كتاب- «مفهوم الدولة» – لعبد الله العروي، للباحث صلاح الدين ياسين، الحوار المتمدّن، 2023 / 11 / 6).

الدولة ومفاهيم السيادة

في هذا التصوّر أصبحت الدولة الحديثة بنية عقلانية، تُدار بالقانون، وتتغذّى من الإرادة الوضعية، وتُؤسَّس على مفاهيم السيادة، والمواطنة، والعقد الاجتماعي، ولم تعد مفاهيم مثل الخلافة أو البيعة أو الإجماع تُنتج السلطة وإنّما تصدّرت مفاهيم جديدة مثل الاقتراع، والتشريع، والتمثيل.

هذا البناء الفلسفيّ لم يأتِ مقطوعًا عن التاريخ بل انحدر من تجارب طويلة مع الحروب الدينية، والصراعات الداخلية، والانقلابات على الأنساق التقليدية، وهكذا وُلدت الدولة الحديثة بوصفها بنية مفاهيمية كليّة تعيد تعريف الإنسان والسلطة والشرعية ضمن نظام معرفي جديد.

وفي هذا الاتّجاه يرى الفقيه السويسري «بلتشيلي» في كتابه «النظرية العامة للدولة»: أن الدولة هي جماعة مستقلة من الأفراد يعيشون بصفة مستمرة على أرض معينة بينهم طبقة حاكمة واخرى محكومة؛ بينما يعرّف الفقيه الفرنسي “كاري دى وليبر» الدولة بأنها مجموعة من الأفراد مستقرّة على إقليم معيّن، ولها من التنظيم ما يجعل للجماعة فى مواجهة الأفراد سلطة عليا آمرة وقاهرة، ويعرّفها بأنها التشخيص القانوني لأمّة ما (راجع د. محمد الدجاني، د. منذر الدجاني في «السياسة: مفاهيم ونظريات».

وبعيدًا عن النقد الأخلاقي الليبرالي لهيغل الذي وضع تصورًا لدولة مطلقة استبدادية من واجبها استخدام القوة لتضمن الأخلاق وتقمع النوازع الشريرة للأفراد، ذهب البعض إلى أن نظرية هيغل ليست تجريدية وإنما هي واقعية تعبّر عن جوهر وحقيقة الدولة المطلقة القائمة.

ففي كتابه «مفهوم الدولة»، يسعى عبد الله العروي إلى تقديم تعريف شامل للدولة يتجاوز التصنيفات التقليدية القائمة على الأنظمة السياسية أو الأشكال الدستورية. وينطلق العروي من فكرة أن الدولة هي «تنظيم اجتماعي» يهدف إلى تحقيق الاستقرار والأمن والازدهار للمجتمع.

وبحسب العروي فإنّ الدولة ليست مجرد كيان سياسي أو دستوري، بل هي ظاهرة اجتماعية وتاريخية نشأت نتيجة تطور المجتمعات البشرية، وتطورت من دولة المدينة اليونانية إلى الدولة القومية الحديثة، متأثرة بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية عبر العصور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *