الدولة رؤيةً وفهمًا واقعيًّا

إنّ مشروع بناء الدولة بشكل عام والدولة السورية الجديدة بشكل

خاصّ، ما لم ينطلق من حقيقة أساسيّة مفادها أنّ الإنسان هو منطلق كلّ شكل من أشكال الاجتماع البشري، وهوغاية كلّ هذه الأشكال والنُّظُم والبنى، فإنه مشروع قاصر عن الواقع الوجودي للاجتماع البشري عمومًا والواقع السوري وحجم التحدّيات التي تتفاقم أمام هذا الواقع خصوصًا.

لأنّ الدولة لم تُنشأ لذاتها، ولا الدساتير وُضعت لتقديس النصوص، ولا الإدارات أُقيمت لتخدم وجودها الخاصّ، بل إنّ جميع هذه الأدوات وُجدت من أجل الإنسان بشكلي شعوره، الفرد والمجتمع. فكلّ تلك الأدوات وُجدت لحمايته، وضمان أمنه، وتنظيم حرّيته، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتطوير الحياة الإنسانية، وكلّ ذلك يحصل في الواقع الطبيعي- المجتمع.

ومن هنا، فإنّ أيّ نقاش حول شكل الدولة السورية، أكان نظامها رئاسيًّا

 أم برلمانيًّا، مركزيًّا أم لا مركزيا، اتّحاديًّا أم موحّدًا، لا يمكن أن يكون نقطة الانطلاق، بل يجب أن يكون نتيجة لرؤية أعمق تتعلق بالإنسان السوريّ، وتنطلق منه لتصل إليه. وهذا يكون بالعقد الاجتماعي الذي يجمع السوريين، وبطبيعة المجتمع الذي نريد بناءه، بعد عقود من الاستبداد والحرب والانقسام التي مرّت سورية خلالها بواحدة من أعقد الأزمات في تاريخها الحديث.

ولم تكن الأزمة في سورية مجرّد أزمة سياسيّة أو صراع على

السلطة، بل كانت أزمة شاملة أصابت بنية الدولة، السيادية والاقتصادية والاجتماعية والمؤسّساتية، كما أصابت الإنسان السوريّ، فقد تراجعت الثقة العامّة، وتفكّكت روابط اجتماعية أساسية، وتعمّقت الانقسامات، وتعرّض المجتمع السوري لمستويات خطيرة من التآكل والتشظّي والتحلّل المجتمعي في ظلّ صراعات داخلية حادّة ومعقّدة، وتدخّلات خارجية مركّبة ومتعدّدة.

وفي خضمّ هذا الواقع، يصبح البحث عن الدولة ليس ترفًا فكريًّا، بل ضرورة وجودية.

فالدولة ليست خصمًا للمجتمع، بل الضامن الذي لا غنى عنه لإقامة الحياة الطبيعية، وحماية الحقوق، وتنظيم المصالح، ومنع عودة الفوضى والعنف. غير أنّ بناء هذه الدولة لا يمكن أن يتمّ بمجرّد استنساخ نماذج جاهزة، بل يتطلب فهمًا عميقًا للواقع السوري وللعوامل التي أسهمت في تفكّكه.
وفي مقدّمة هذه العوامل يأتي البعد الديني والمذهبي والفكري. فسورية مجتمع متنوّع دينيًّا ومذهبيًّا وثقافيًّا، تنوّعٌ شكّل عبر التاريخ مصدر غنًى حضاريّ وإنسانيّ. لكنّ المشكلة لم تكن في وجود الدين أو التعدّد الديني بحدّ ذاته، بل في توظيف الانتماءات الدينية والمذهبية في الصراع السياسي، وفي تحويل الاختلاف الطبيعي إلى أداة تعبئة واستقطاب وخوف متبادل.

إنّ التديّن جزء أصيل من حياة قطاع واسع من السوريين، والدولة

الديمقراطية العادلة لا تقوم على معاداة الدين ولا على إقصائه من المجال العامّ، كما لا تقوم على فرض تفسير دينيّ واحد على المجتمع والدولة. يجب أن تبقى دولة جميع مواطنيها على قدم المساواة، بحيث لا تمنح أحدًا أو فئة معيّنة منهم امتيازًا سياسيًّا أو قانونيًّا على أساس الانتماء الديني أو المذهبي أو الفكري.

ومن هنا، فإنّ بناء عقد اجتماعي سوري جديد، يكون حجر الزاوية لبناء الدولة، ممّا يجعل التنوّع وحمايته مسؤولية وليس فقط اعترافًا أو إقرارًا صوريًّا قانونيًّا. فالمواطنة ليست مجرّد هوية قانونية أو وثيقة جنسية، بل هي فعل وعي وإدراك ومسؤولية. فالإنسان من يضع الدستور. والإنسان من يدير الإدارة، وهو نفسه الذي ينتخب أو يراقب أو يحاسب، والإنسان هو أيضًا الذي قد يفسد المؤسسات أو يصلحها.

إنّ قوّة الدولة لا تنبع من شكلها الدستوري وحده، ولا من نظامها الاقتصادي وحده، ولا من كفاءة إدارتها وحدها، بل من التكامل بين الإنسان الواعي، والإدارة الرشيدة، والمؤسّسات الفاعلة، والنظام السياسي الخاضع للمساءلة، فالديمقراطية ليست مجرّد انتخابات، والإدارة ليست مجرّد جهاز بيروقراطي، والدولة ليست مجرّد سلطة، بل هي علاقة مستمرة بين مواطن مسؤول ومؤسسات خاضعة للمحاسبة.

وبناءً على ذلك، تقوم الدولة السورية الجديدة على أربعة أبعاد مترابطة:

أولاً: الإنسان.

 وهو مصدر الشرعية الحقيقية وحارسها. فلا قيمة لدستور لا يحمي الإنسان، ولا لمؤسسات لا يثق بها المواطن، ولا لنظام حكم يعجز عن صون كرامة الناس وحقوقهم.

ثانيًا: الإدارة.

وهي القوة المنظّمة التي تحوّل الأفكار إلى واقع والمبادئ إلى منطلقات للفكر، وتحوّل القانون من نصّ إلى ممارسة، والسياسة من شعارات إلى نتائج ملموسة. فحسن الإدارة يحسّن استثمار موارد الدولة ويعزّز قوّتها، بينما يؤدّي فساد الإدارة إلى إهدار الموارد وإضعاف الدولة مهما بلغت إمكاناتها.

ثالثًا: المؤسّسات.

وهي الأطر التي تمارَس من خلالها وظائف الدولة، من قضاء وتشريع وتعليم وأمن وصحة وإدارة محلية. ولا تكون المؤسسات فاعلة إلا إذا تمتعت بالكفاءة والاستقلالية والشفافية وخضعت للمساءلة.

رابعًا: نظام الحكم.

 وهو الشكل الذي توزَّع من خلاله السلطات والاختصاصات، سواء كان النظام مركزيًّا أو لا مركزيا أو اتّحاديًّا.

غير أنّ أيًّا من هذه الصيغ لا يمثّل ضمانة بحدّ ذاته للنجاح أو الفشل؛ فالقاسم المشترك بين الدول الناجحة هو جودة الإدارة، ووضوح توزيع الصلاحيات، وسيادة القانون، وفعالية الرقابة، والمحاسبة.

وفي هذا السياق، يأتي العَقْد الاجتماعي بوصفه الإطار الناظم للعلاقة بين الإنسان والدولة. والعَقد الاجتماعي ليس مجرّد وثيقة قانونية تُكتب مرة واحدة، بل هو توافق وطني دائم يحدِّد المبادئ الجامعة للمجتمع.

وعليه، إنّ أخطر ما أصاب سورية لم يكن فقط تدمير البنى المادية، بل تآكل الثقة بين المواطنين، وبين المواطنين والدولة.

ولذلك فإنّ إعادة بناء الدولة السورية تبدأ بإعادة بناء هذه الثقة، عبر عقد اجتماعي جديد يشعر فيه كلّ سوري بأنّه متساوٍ في الحقوق والواجبات، ومصان الكرامة، ومشارك في صنع القرار العام، ومحميّ من التمييز والإقصاء أيًّا كان انتماؤه الديني، أو المذهبي، أو القومي، أو الفكري وحتى السياسي.

ومن هذا المنطق المنطلق، فإنّ الهدف من مشروع الدولة السورية الجديدة ليس مجرد إنشاء مؤسسات جديدة، بل الانتقال من دولة تقوم على الخوف والتبعية والزبائنية إلى دولة تقوم على العضوية والمشاركة والثقة المتبادلة، والحقوق، والواجبات، والمحاسبة. دولة يكون فيها المواطن عضوًا أصيلاً لا فردًا تابعًا، وتكون المواطنة انتماء فعليًّا قائدًا للمجتمع لا رعية قطعانية تُساق بشمولية سياسية، وتكون فيها السلطة وظيفة عامّة لا امتيازًا خاصًّا، وتكون فيها الموارد الوطنية ملكًا لجميع السوريين، وتُدار بشفافية وعدالة لمصلحة الأجيال الحاضرة والمستقبلية.

إنّ سورية المستقبل، حُكْمًا، لا تُبنى بالحنين إلى الماضي، بل بالتعلّم من التجارب والاستفادة منها، ولا تُبنى بالاستقواء بالانقسامات، بل بمعالجة جذورها، ولا باستيراد نماذج جاهزة، بل باعتماد الإبداع والابتكار السوريَّين في خلق إنسان جديد حرّ ومسؤول، في دولة تكفل، ضمن عقد اجتماعي جامع، ونظام حكم يضمن المواطنة والمساءلة ويكفل توازن الحقوق بين وحدة المجتمع وسيادة الدولة.

وعندما يصبح الإنسان السوري هو نقطة البداية وغاية كلّ رؤية على قاعدة الحرية القيمة، والواجب المسؤولية، والنظام الإدارة، تصبح جودة حياته هي المعيار الذي تُقاس به القوانين والمؤسسات والسياسات.

طارق سيف الدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *