الرأسمال ثروة مجتمعية وإن كانت ملكيته خاصة

لا تكمن المشكلة الأساسية في الاقتصاد في ملكية الرأسمال بحد ذاته، بل في كيفية التصرف فيه، وتوظيفه، وتوجيهه، ومدى حرية استعماله في إطار الملكية الخاصة. فالقضية لا تختزل في السؤال من يملك الرأسمال ووسائل الإنتاج؟ بل تمتد إلى السؤال الأعمق ما وظيفة الرأسمال داخل المجتمع؟ وكيف توزع الثروة الناتجة عنه بعدالة بين المالك، والعامل، والدولة، والشعب؟

فالرأسمال ليس مجرد ثروة خاصة نشأت بفضل المالك وحده، بل هو ثروة مجتمعية ساهم المجتمع في إيجاد شروط تكوينها واستمرارها، وأسهمت في بنائها دورة الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية بما توفره من مؤسسات وتشريعات وبنية خدماتية واستقرار وأمن ومعرفة وقوى بشرية.

وهو طاقة إنتاجية تتجسد في المصنع، والآلة، والأرض، والمعرفة، والتنظيم، وكل ما يسهم في تحويل الموارد إلى إنتاج. لذلك لا تنحصر قيمته في كونه ملكية خاصة، بل في وظيفته الإنتاجية التي تجعل غايته النهائية خدمة الإنسان -المجتمع.

ومن هنا فإن وجود الرأسمال لا يقوم بمعزل عن الدولة الناظمة للنظام الاجتماعي الاقتصادي والمنبثقة من نظرة جديدة للحياة، لأنها الإطار الذي تنتظم فيه مصالح الشعب العامة، ومن خلالها ينظم المجتمع حياته ومسيرته نحو الارتقاء. وهي التي تعبر عن الإرادة الشعبية العامة، وتضع القواعد التي تنظم النشاط الاقتصادي، وتوفر البيئة القانونية والأمنية والمعرفية والقوى البشرية اللازمة للإنتاج، وتكفل الحقوق العادلة لجميع المشاركين في العملية الإنتاجية، وتحفظ استقرار الأمة ومستقبلها.

وانطلاقا من ذلك، فإن الملكية الخاصة للرأسمال لا تعني أن لصاحبها حق التصرف المطلق به، أو ممارسة الإنتاج خارج إطار الدولة ونظامها او خارج مصلحة المجتمع.

فالمصنع، على سبيل المثال، ليس مجرد ملكية خاصة لصاحبه، بل هو جزء من الدورة الاقتصادية، ومصدر إنتاج ورزق للمنتجين الذين يساهمون في تشغيله، ومن حقهم الحصول على نصيب عادل من ثماره. كما أنه يشكل أحد عناصر قوة الدولة الاقتصادية، وركيزة من ركائز بناء صناعة متقدمة كما ونوعا. بحيث تصب ادارة إنتاجه في مصلحة المجتمع العامة.

لذلك ينبغي فهم الرأسمال في إطار نظام اجتماعي يزيل أسباب التوتر بين الطبقات، ويعالج التفاوتات التي أفرزتها الرأسمالية الحرة المتوحشة المدمرة للأمم. فهذا النظام يكفل لصاحب الرأسمال حق الملكية والربح العادل، ويكفل للعامل نصيبه العادل، ويؤمن للدولة مواردها العادلة، فتتكامل الملكية الخاصة مع المصلحة العامة، ويستمر الإنتاج ويتعزز التقدم الاقتصادي ورفاهية المجتمع.

وانطلاقا من هذه الرؤية، فإن القرار الاقتصادي المتعلق بحركة الرأسمال لا يقوم على إرادة فردية، ولا على قرار سلطوي تصدره حكومة، بل على إرادة عامة يعبر عنها المجتمع عبر مؤسساته الدستورية، وفي مقدمتها ممثلو الشعب، استنادا إلى دراسات اقتصادية علمية متخصصة توازن بين مصلحة الرأسمال، ومصلحة العامل، ومصلحة المنشأة، ومصلحة الدولة، ومصلحة المجتمع بأسره.

ان معيار نجاح أي سياسة اقتصادية هو تحقيق العدالة بين أربعة أطراف أساسية مترابطة تشكل مصلحة المجتمع، بحيث لا تطغى مصلحة طرف على حساب الآخر، لأن استقرار الاقتصاد وتقدمه لا يتحققان إلا بتوازن هذه العناصر، وكل إخلال بالتوازن بينها ينعكس ضعفا في المجتمع والدولة معا.

أولا: العامل والفلاح

لأنه أحد المنتجين الأساسيين الذين يبذلون الجهد، وينقلون المعرفة والخبرة إلى العملية الإنتاجية. ومن حقه الحصول على نصيب عادل من ثمار الإنتاج، وعلى حياة كريمة، وضمان اجتماعي، وتعليم، وصحة، وراحة، ورفاهية، وحماية عند فقدان العمل.

ثانيا: المنشأة أو المصنع

لأنها تحتاج إلى فائض إنتاجي يضمن استمراريتها، ويمكنها من الصيانة والتطوير والتحديث والتجديد، ويعزز قدرتها على المنافسة بجودة عالية. لئلا ينتهي إلى التراجع والخروج من السوق.

ثالثا: صاحب الرأسمال

لأنه يقدم رأس المال، ويتحمل مسؤولية الاستثمار والمخاطرة، ويسهر على نجاح المشروع واستمراره. ومن حقه الحصول على عائد عادل يحافظ على حافزه للاستثمار، ويشجعه على توسيع الإنتاج والمساهمة في تنمية الاقتصاد في المجتمع.

رابعا: الدولة

لأنها المؤسسة الناظمة للنظام الاقتصادي الاجتماعي، والحاضنة للدورة الاقتصادية، والمسؤولة عن تنظيمها وحمايتها. ومن حقها الحصول على الموارد التي تمكنها من بناء الخدمات العامة، وتحقيق التنمية الاجتماعية، وتعزيز الاستقرار، والارتقاء بمستوى حياة المجتمع.

ومن ثم، فإن واجب الدولة في النظام الاقتصادي الاجتماعي العادل هو توزيع الغنى لا توزيع الفقر، لأن العدالة الاجتماعية والاقتصادية لا تعني مساواة الناس في الحرمان، بل تحقيق التوازن الذي يتيح لأبناء الشعب حياة كريمة قائمة على الرفاه والتقدم.

ومن هذا المنطلق، فإن قيمة الرأسمال لا تقاس بقدرته على تحقيق الربح الفردي وحده، بل بقدرته أيضا على الإسهام في بناء مجتمع قوي، حضاري، قادر، مبدع، وسعيد. وقد تفرض الحروب أو الأزمات الكبرى ظروفا استثنائية تستوجب توجيه جزء من القدرات الإنتاجية لتلبية حاجة وطنية، باعتبار ذلك ضرورة لحماية الأمة وضمان استمرارها.

فعندما يتحول مصنع من إنتاج مدني إلى إنتاج يخدم حاجة وطنية، فإن ذلك لا يعني إلغاء ملكية صاحبه، ولا مصادرة حقه في إدارة مشروعه، وإنما يعني توجيه الملكية الخاصة لأداء وظيفة عامة يفرضها الظرف الاستثنائي، مع بقاء حق الملكية مصانا.

ومثال ذلك صاحب الرأسمال الذي يؤدي، في المجال الاقتصادي، دورا وطنيا يشبه في جوهره واجب الجندي في الدفاع عن وطنه. فكلاهما يسهم، كل في ميدانه، في حماية مقومات الدولة وضمان صمودها واستمرارها، يتوجب عندها على الاقتصاد الوطني زيادة بالإنتاج والثبات في مواجهة الأزمات، وتأمين مصلحة المجتمع.

ولأن الرأسمال ثروة مجتمعية ووطنية، فإن الأصل أن يواصل أداء وظيفته في خدمة المجتمع، وألا يتخلى عن هذا الدور في أوقات الشدة، حفاظا على البلاد، وتعزيزا لقدرتها على النهوض واستمرار التقدم.

إن هذه الرؤية تنطلق من اعتبار الرأسمال قوة إنتاجية خلاقة تؤمن مصلحة المجتمع، وتؤدي دورا أساسيا في نهضته وارتقائه وترى في العملية الاقتصادية ثمرة تعاون وتكامل بين رأس المال، والعامل، والمعرفة، والدولة، والنظام الاجتماعي الاقتصادي، والمجتمع، بحيث يؤدي كل عنصر دوره في خدمة المصلحة العامة. ويهدف إلى تحقيق الازدهار، وتعزيز التقدم، وترسيخ الاستقرار.

ومن هذا المنطلق، فإن الرأسمال، وإن كان مملوكا لفرد أو لأفراد، لا يجعل أصحابه منفصلين عن الدولة والأمة، بل يجعلهم قيمين عليه، ومؤتمنين على حسن توظيفه بناء على مصلحة المجتمع، بما يخدم الاقتصاد الوطني، ويسهم في ترسيخ الاستقرار، وتعزيز التنمية، وتطوير المجتمع.

وبذلك تتحول الملكية الخاصة من حق فردي مجرد إلى وظيفة اجتماعية ووطنية تمارس في إطار المصلحة العامة، فيلتقي حق الملكية مع حق المجتمع، ويصبح الرأسمال أداة للإنتاج والنهضة، لا وسيلة للاحتكار أو الإفقار أو تعميق الانقسام. وعندئذ يتحقق التوازن بين الحرية الاقتصادية والمسؤولية الاجتماعية، ويغدو الرأسمال ركنا أساسيا في بناء الدولة القوية، وصناعة الازدهار، وتأمين مستقبل الأمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *