الحرية والواجب: الطريق إلى المواطن الجديد

بعد أن تحدّثنا عن دور التربية في صناعة الإنسان الجديد، وعن الأخلاق التي تحمي النهضة، وعن الثقافة التي تبني العقل الحر، يبقى سؤالٌ لا يقلّ أهمية: كيف تتحوّل هذه العناصر كلُّها إلى سلوكٍ يوميٍّ في حياة الإنسان؟

كان أنطون سعاده يرى أن الجواب يكمن في أربع كلمات أصبحت عنوانًا دائمًا للنهضة: الحرية، والواجب، والنظام، والقوة؛ وهي الدعائم الأربع التي تقوم عليها الدولة القومية الاجتماعية، وترمز إليها أطراف الزوبعة الحمراء في علم الحزب السوري القومي الاجتماعي[1]. ولم تكن هذه الكلمات عنده مجرد شعارٍ يردّده القوميون الاجتماعيون، بل منهجًا متكاملًا لبناء الإنسان والمجتمع. فالحرية تلد الواجب، والواجب يقود إلى النظام، والنظام يصنع القوة، والقوة لا تكون فضيلةً إلا إذا وُجِّهت لخدمة الحق والخير والجمال.

الحرية مسؤولية لا فوضى

من أكثر المفاهيم التي سعى سعاده إلى تصحيحها مفهوم الحرية. فقد رأى أن كثيرين يتحدثون عنها، لكنهم يخلطون بينها وبين الانفلات من كل قيد، حتى أصبحت الحرية، في نظر بعضهم، مجرد رفضٍ للالتزام.

أما الحرية التي دعا إليها، فهي حرية الإنسان الواعي، الذي يختار عن اقتناع، ويجعل من إرادته وسيلةً لخدمة مجتمعه وتحقيق رسالته. ولهذا قال:

«نحن لا نريد الحرية لمجرد الحرية والتفلت من كل واجب وكل مسؤولية، بل نريد الحرية لننشئ المجتمع المثالي الموضوعة قواعده في مبادئنا. نريدها لنعمل للحياة المثلى لا لمجرد العيش.»[2]

ولذلك كانت الحرية، في نظره، مرتبطة بالفعل والمسؤولية، لا بالفوضى والانفلات. فالإنسان الحر ليس من يفعل ما يشاء، بل من يملك نفسه، ويعرف غايته، ويجعل من حريته قوةً لبناء الحياة.

الواجب مبدأ أخلاقي

إذا كانت الحرية تمنح الإنسان حق الاختيار، فإن الواجب يمنح هذا الاختيار غايته. ولم يكن سعاده ينظر إلى الواجب بوصفه التزامًا يُفرض على الإنسان من الخارج، بل قيمةً أخلاقيةً تنبع من الإيمان بالقضية والانتماء الصادق إليها. ولذلك أكّد في خطابه في اللاذقية عام 1948: «نحن لم نتلكّأ عن واجب، لأن الواجب مبدأ أساسي من مبادئنا الأخلاقية.»[3]

ولهذا بدأ الزعيم قسم الانتماء إلى الحزب بقوله: «أقسم بشرفي وحقيقتي ومعتقدي…»[4]؛ فالقسم ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل إعلانٌ إراديٌّ بأن يهب الإنسان نفسه لأمته، ويجعل من خدمة المجتمع رسالةً لحياته.

ولم يكن الواجب، في نظره، مجرد طاعةٍ للنظام أو تنفيذٍ للأوامر، بل موقفًا أخلاقيًا يوجّه الفكر والعمل معًا. ولهذا كتب: «نشعر ونؤمن بأن الواجب يجب أن يسيطر على جميع أعمالنا وأفكارنا.»[5]

ومن هنا كان يربّي الشباب على أن يجعلوا خدمة الأمة مسؤوليةً شخصية، وأن يكون استعدادهم للتضحية والعمل نابعًا من إيمانهم بقضيتهم وإحساسهم برسالتهم. فالنهضة، في نظره، لا يصنعها إلا رجالٌ ونساءٌ يفهمون معنى الواجب ويجسدونه في حياتهم.

النظام يصنع القوة

لم يكن سعاده ينظر إلى النظام بوصفه مجموعة تعليمات أو لوائح إدارية، بل بوصفه أسلوبَ حياة.

فالطاقات الفردية، مهما بلغت، تبقى محدودةً إذا بقيت متفرقة. أما حين تنتظم حول غايةٍ واحدة، فإنها تتحول إلى قوةٍ قادرة على تغيير المجتمع.

ولهذا لم تكن عبارة «الحرية، الواجب، النظام، القوة» كلماتٍ مستقلة، بل تسلسلًا منطقيًا متكاملًا. فالحرية الحقيقية تولّد الشعور بالواجب، والواجب يقود إلى النظام، والنظام يحوّل جهود الأفراد إلى قوةٍ فاعلة في خدمة المجتمع.

المواطن الجديد

لم يكن هدف سعاده إنشاء أفرادٍ ناجحين لأنفسهم فحسب، بل إنشاء مواطنين يشعر كل واحدٍ منهم أن حياته مرتبطة بحياة أمته، وأن حريته تكتمل بمقدار ما تُسهم في حرية المجتمع ونهضته.

رسالة إلى شباب اليوم

لا تزال كلمات سعاده تحتفظ براهنيتها في زمنٍ يكثر فيه الحديث عن الحرية الفردية، ويقلّ فيه الحديث عن المسؤولية.

فالحرية لا تُقاس بمقدار ما يتحرر الإنسان من القيود، بل بمقدار ما يحسن استخدام حريته في خدمة الحقيقة والخير والمجتمع. ولذلك لم يكن يرى الحرية غايةً في ذاتها، بل وسيلةً لبناء حياةٍ أفضل، وكان يؤكد أن:

«الحرية ليست حرية العدم، بل حرية الوجود»[6]

أي الحرية التي تدفع الإنسان إلى العمل والإبداع والصراع من أجل الارتقاء بالحياة.

وعندما يجمع الشاب بين الحرية والواجب، ويلتزم بالنظام، تتحول طاقته إلى قوة بناء، ويصبح شريكًا في صناعة مستقبل أمته، لا مجرد متفرجٍ على أحداثها.


[1] أنطون سعاده، المحاضرات العشر، ط 2018، عمدة الإذاعة، بيروت، ص 29.

[2] ملخص خطبة الزعيم في حفلة أول مارس/أذار (1940).

[3] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد الثامن 1948 – 1949، ملحق رقم 9، خطاب الزعيم في اللاذقية، 26 تشرين الثاني 1948.

[4] راجع دستور الحزب، قسم العصوية.

[5] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد الحادي عشر 1946 – 1949، إلى مدير مديرية خوخوي، 13/02/1946.

[6]  ـ تعاليم وشروح في العقدية الحق والحرية بقلم الزعيم، النشرة الرسمية للحركة القومية الاجتماعية، بيروت، المجلد 1، العددان 3 و4، 15/12/1947 و1/1/1948.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *