مونديال 2026 هل فقد صفة «اللعبة الشعبية»؟

تعتبر بطولة كأس العالم في كرة القدم من أكثر الأحداث الرياضية مشاهدة على مستوى العالم، وتحظى باهتمام ومتابعة المليارات من البشر وتعتبر عرساً كروياً عالمياً يجمع شعوب العالم ومحبي هذه الرياضة. إلا أن السياسة حين تدخلها، تتسلل إليها الانعكاسات السلبية. هذا ما شهدته انطلاقة كأس العالم لهذه الدورة التي وللمرة الأولى توزعت ملاعبها على ثلاث دول هي الولايات المتحدة الأميركية وكندا والمكسيك، وبمشاركة 48 منتخباً مشاركاً وجوائز تصل إلى 871 مليون دولار.

المعروف أن هذا الحدث الرياضي العالمي لكرة القدم يقام تحت إشراف الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا» كل أربع سنوات منذ عام 1930، ما عدا بطولتي عام 1942  و1946 اللتين ألغيتا بسبب الحرب العالمية الثانية. يشارك في الدورة الحالية 48 منتخباً وطنياً، وستقام غالبية المباريات في الولايات الأميركية المختلفة.

وسائل الإعلام التي تواكب هذا الحدث العالمي تناقلت الأخطاء التنظيمية الكثيرة التي سبقت انطلاق المنافسات. في البداية شكّل فرق التوقيت الشاسع بين الولايات المتحدة وباقي العالم، وحتى داخل أميركا نفسها مشكلة لمتابعي ومشجعي كرة القدم في دول العالم بحيث تعذر على عدد من البلدان متابعة المباريات التي تصادف بعد منتصف الليل وفي ساعات الفجر. والطامة الكبرى كانت في طريقة تعاطي الولايات المتحدة مع «الضيوف» القادمين للمشاركة في البطولة. فقد طاولت قيود خانقة الفرق والبعثات والجماهير. فواجه مواطنو أكثر من ربع الدول المشاركة شبح حظر السفر أو عراقيل التأشيرات المعقدة، إذ عمدت الإدارة الأميركية إلى إدراج مواطني أربع دول تشارك في المونديال، ضمن قائمة الممنوعين من دخولها وهي إيران وهايتي والسنغال وساحل العاج. كما رفضت تأشيرات عشرات المشجّعين من رابطتين بارزتين قبيل انطلاق المونديال، بداعي التشكيك في نيتهم في العودة إلى أوطانهم، رغم سجلات سفرهم النظيفة أثناء حضورهم بطولتي روسيا 2018 وقطر 2022، فضلاً عن أولمبياد باريس.

لم يقتصر الأمر على الجماهير المشجعة فحسب، بل طال أيضاً اللاعبين النجوم الذي فوجئوا لدى وصولهم إلى المطارات الأميركية بعمليات تفتيش مهينة لم تحصل سابقاً في أي من الدول التي استضافت هذه البطولة. حتى إن السلطات احتجزت مهاجم منتخب العراق أيمن حسين مدة قاربت سبع ساعات لاستجوابه في أحد مطارات شيكاغو. كما منعت الحكم الصومالي الدولي عمر عبد القادر عرتن، وهو صاحب جائزة أفضل حكم في أفريقيا لعام 2025 من الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، من دخول الأراضي الأميركية عبر مطار ميامي، رغم حمله جواز سفر دبلوماسياً وحصوله على التأشيرة للدخول إلى الولايات المتحدة. وقد حاولت الفيفا التعويض عليه مادياً بعرض مالي بلغ مئة ألف دولار، إلا أنه رفضه بشكل مطلق. وأهانت السلطات الأميركية بأسلوب التفتيش المدرب أفابيو كانفارو، أيقونة كرة القدم الإيطالية، بمعية منتخب أوزبكستان.

الأمر نفسه تكرّر مع جزء من الطاقم الفني الإيراني الذي لن يكون بإمكانه المشاركة مع الفريق خلال مبارياته في أميركا، إضافة إلى منع الفريق الإيراني من المبيت على الأراضي الأميركية، وإجباره على العودة إلى المكسيك بعد كل مباراة يخوضها في الولايات المتحدة. حتى مشجعو الفريق الإيراني حرموا من الحصول على بطاقات الدخول إلى الملاعب إذ وفق قوانين ال «فيفا» يحق للاتحاد المحلي لأي منتخب مشارك في كأس العالم الحصول على 20% من تذاكر المباريات، وهو ما منعته الولايات المتحدة وصادرت التذاكر لحرمان الجماهير الإيرانية من تشجيع منتخبها الوطني.

على خط آخر سجلت أسعار تذاكر الدخول إلى المدرجات قفزات غير مسبوقة في تاريخ كأس العالم حيث تجاوزت أسعار مباريات الأدوار الأولى (الفئة الرابعة) عتبة 560 دولاراً، مما حرم الكثير من مشجّعي المنتخبات النامية من دخول المدرجات ومؤازرة فرقهم. فضلاً عن منع الجماهير من اصطحاب مأكولاتهم أو مشروبات من الخارج، ما يعني إجبارهم على شراء مشروبات تابعة للشركات الراعية بأسعار مرتفعة.

يضاف إلى ذلك ارتفاع أسعار التنقلات إلى نحو عشرة أضعاف، وكذلك أسعار الغرف الفندقية بشكل لا يسمح إلا لطبقة معينة بتحمل هذه النفقات. وبالتالي فقدت رياضة كرة القدم الصفة التي لطالما تميزت بها أي «الرياضة الشعبية».

الجدير ذكره أن 78 مباراة من أصل 104 تجري في الولايات المتحدة الأميركية مما يجعلها تستقطب نحو 80 في المئة من إجمالي إنفاق المشجعين وبالتالي تحقق عوائد في ناتجها المحلي تقارب 17 مليار دولار. في المقابل تستضيف المكسيك 13 مباراة فقط وتقدّر عائدات المباريات فيها بنحو 3 مليارات دولار. أما كندا التي تواجه ضغوطاً مالية حادة من خلال تجاوز تكلفة الاستضافة حاجز المليار دولار كندي، غطى التمويل الفدرالي أقل من نصفها، مما يجعل القطاع العام يقع تحت عبء المديونية مباشرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *